فكروا في أسباب ازدحام الطرق.. وفي أسباب زيادة ارتفاع أعداد السيارات في شوارعنا، وأسباب زيادة استهلاك البنزين في بلادنا عاما بعد آخر.. فكروا في أحد العوامل المساهمة في زيادة أعداد المقترضين والمقترضات من الشباب والشابات في بلادنا.. وفكروا في نوعية النقل العام المترهل في شوارعنا وأسبابه.. وفي أسباب تأخر وصول الموظف والمراجع، وفكروا لماذا لا يمكن لأي شخص أن يتمكن من أداء أكثر من عمل واحد لمشوار واحد في اليوم في مدننا الكبيرة؟ فكروا في كل ذلك واجمعوا الخسائر من الوقت والجهد والمال.. واجمعوا معاناة الناس.. فكروا في كل ذلك بموضوعية متناهية تجدون أسبابها غياب وسائل المواصلات.
في إحدى زياراتي الرسمية لإحدى العواصم الأوروبية، حُددت الساعة الثانية عشرة لدعوة مضيفنا لنا للغداء، وكان بمرتبة عالية تفوق مرتبة الوزير في إحدى مؤسسات الدولة المضيفة. وتوقعت عند خروجنا للغداء أن نخرج على سجاد أحمر وتفتح لنا أبواب السيارات الفارهة لأفاجأ أن مضيفنا لا يمتلك سيارة، وأنه ينتقل إلى عمله عبر ثلاث وسائل نقل كل يوم لأسباب وجد أنها مقنعة، من أهمها سهولة وسائل النقل في بلاده ورخصها.
في مدننا الكبيرة مأساة كبيرة بالرغم من وفرة المال الذي يعتبر العامل الأهم في توفر تلك الوسائل.. ونسأل: لماذا تأخر وجود (الاندرقراوند) في مدننا..؟ ولماذا يقتصر الأمر على وجود شركة نقل عامة واحده تركز على الربحية بوجود خطوط بين المدن وليس داخلها..؟ لماذا نصر على وجود وسائل نقل مترهلة بهذا الشكل الذي ترونه في شوارع مدننا الكبيرة ونحن في السعودية بمكانتها المعروفة وإمكاناتها العالية؟ لماذا أيها المسؤولون عن وجود هذا النقل لا نبدأ من الآن.. أين المشكلة؟
أين مراكز بحثنا من دراستها؟ ولماذا لا توضع على الطاولة للمناقشة: ما نفذ منها وما لم ينفذ؟ ويكافأ الجاد ويُدفع المقصر دفعا إلى خارج أسوار العمل.. لماذا نسكت على خطط لم يتم تنفيذها ولا نعرف أسبابها..؟
كلنا نعرف أننا نقضي ساعات طويلة خلف المقود للذهاب والعودة إلى عملنا.. وإذا كانت لدينا لجان أو اجتماعات خارج أوقات الدوام فمعنى ذلك زيادة في الوقت وبالتالي في المعاناة.. ثم انظروا إلى من هو بجانبكم في الطريق ترون سيارات حمولتها سبعة أو تسعة أشخاص وفيها شخص واحد فقط يزاحم السير ويرفع نسبة استخدام الوقود.. ويزيد من عدد السيارات في شوارعنا كل عام.. ومعه الحق بل كل الحق لأنه لا بديل لديه.. الشباب والشابات المعينون للتو؛ كيف يصلون إلى أعمالهم؟ أولا الاقتراض.. وهذه مشكلة، ثانيا البحث عن كفيل وهذه أخرى.. ثالثا الإرهاق بالديون، ورابعا زيادة عدد السيارات في شوارعنا.. خامسا ارتفاع عدد السيارات كل عام.. ومع كل تعيينات جديدة.. نسبة مطردة، أي كلما زاد عدد المعينين والحاصلين على وظائف كلما تفاقمت مشكلة طرقنا وازدحمت بأعداد السيارات وزاد استيرادنا للسيارات كل عام.
المراجع لا يستطيع أن يقوم بأكثر من عمل في اليوم الواحد، فالمراجع مسؤول عن عمل أو كسب رزق أو كبير يرهقه طول الوقت الذي يقضيه في التنقل لمراجعة مصالحه.. إنها مجموعة من الخسائر التي تعود على الوطن بكثير من السلبيات التي كان يمكن تداركها لو كانت لدينا وسائل مواصلات محترمة داخل مدننا.
أؤكد لكم لو كانت هناك دراسة ووضعت كل هذه العوامل في الحسبان بتفصيل علمي لا يقبل الجدل لأصبنا بالذهول.. ولشعرنا بالندم الكبير في عدم وضع وسائل النقل العام ضمن أولى الأولويات.. لدينا مشكلة لا أزعم أنني أول المكتشفين لها، إنها مشكلة تَحَرُكُنَا بجدية متناهية كردود أفعال وليس كمبادرات.. وهذا ينم عن رؤية قاصرة.. وعجز كبير.. فليس المهم هو تصنيف الأولويات في جداول أعمالنا.. بل في جدول الأولويات.. وتعني الجدولة أن تأخذ الأولويات رقمها في التنفيذ الأهم فالأهم.
من المؤكد أن زيادة استيرادنا من السيارات وزيادة استهلاكنا من البنزين وزيادة صرفنا من الوقت وزيادة معاناتنا وضغوطنا أثناء سيرنا في طرقنا؛ خسارات عديدة ومتوالية يمكننا تجنبها.. ثروتنا التي أنعم الله بها علينا سوف تمكننا بعد الله في استغلالها قبل نضوبها بوضع بنى تحتية ضمن دراسات وخطط يقوم عليها مؤهلون جادون يعرفون لماذا يتأخر تنفيذ خطتنا واحدة بعد أخرى، ويوجدون لها الحلول التي تضمن عدم تأخر تنفيذ أي خطة قادمة. سنكون نحن الذين نمسك بزمام المسؤولية في هذا الجيل أمام تقييم قاس من قبل الأجيال القادمة وأمام التاريخ.
خلاصة القول؛ إن وجود وسائل مواصلات عامة داخل مدننا لم يعد ترفا، إنه ضرورة.. وفيه جوانب اقتصادية مهمة جدا من حيث الحد من الاستيراد والحد من زيادة صرف المواطنين وتوفير الوقت وإنجاز الأعمال وراحة نفسية للمواطن وهذا جانب مهم يُمَكن الجميع من وصولهم لأعمالهم مرتاحين مما ينعكس إيجابا على العمل نفسه.
لو أن هناك دراسة لكل هذه العوامل لأصبنا بالذهول من نتائجها ولندمنا كثيرا على تأخرنا في وجود وسائل مواصلات فاعلة داخل مدننا.. أعرف أن هناك أحاديث منذ زمن عن هذا الموضوع لكننا تأخرنا ونحن نتحدث.. "وطال المطالي يا مواصلات تعالي".