أتذكر جيداً تلك الصفعة التي وجهها لي معلم الرسم وأنا تلميذ في الصف الثالث ابتدائي، آلمتني صفعته معنوياً أضعاف ألمها الحسي، لأنني لم أفهم سبب العقاب.

كان حينها يجلس أمام مرسمه، مستغرقاً في الرسم، وتقدمت نحوه، بهدوء وابتسامة، وقلت له: ما أجمل رسمك يا أستاذ، فبادرني بيده الغليظة، سامحه الله.

قبل سنوات، حكى لي ابني حسام قصة أخرى مشابهة، كان حينها تلميذا في الصف الثاني ابتدائي، يقول: طلب منا المعلم أن نقول له ماذا نريد أن نصبح حين نكبر، فبدأ زملائي بالحديث وتنوعت خياراتهم بين "معلم، ومهندس، وطيار،وطبيب، وشرطي...إلخ" وحين وصلني الدور قلت له "أريد أن أصبح ملكا يا أستاذ" فنهرني بقسوة وقال لي "اصمت، اصمت"!

لم يفهم حسام سبب هذه القسوة من المعلم حينها، وأنا لم أتقبل تصرف المعلم، مع ثقتي بأن هذا الطفل لو قال ما قاله أمام الملك لاحتضنه وهو يضحك.

مازال حسام يحكي قصته التي علقت في ذاكرته، لأنه واجه عقاباً لم يفهم دافعه، وما زلت أنا أيضاً أتذكر صفعة معلمي لأنني لم أقترف ما يستدعيها.

اليوم، كسعوديين على الأقل، نواجه الكثير من المواقف التي لا نستطيع التعبير بتلقائية أمامها، نصمت، نتردد، نتلعثم، نبحث عن إجابة لا تعبر عنا بالضرورة؛ بقدر ما تشعرنا بالأمان، وبأننا سنقول ما يرضي الآخرين، حتى وإن لم يرضينا نحن.

ما واجهناه من أسلوب تعامل، حين كنا نقبع في فصولنا الدراسية، أو في مجالس الآباء، ونحن صغار، هو بالضبط ما نطبقه الآن حين كبرنا، وهو ما سيطبقه أبناؤنا حين يغادرون مدارسهم ومنازلنا.

يجب أن نهتم بالحوار والإقناع، وأن تصبح مدارسنا ومنازلنا ساحات للنقاش مع الأطفال، وأن يصبح العقاب آخر الحلول،حتى لا نتحول إلى آلات تتحرك وفق ما يريد الآخرون، ونخشى من مجرد التعبير عن الرأي الذي يحتمل الخطأ مثلما يحتمل الصواب.