بعد أن تكوم في مقعده ككيس رمل، انطعج المذيع ثقيل الوزن والدم مشيحا بوجهه الذي يشبه بيت طين قديم، طاعنا ضيفه بابتسامة سكينية، شادا حنجرته بكحة متقطعة، مطريا حباله الصوتية بنحنحة كادت تتحول لثغاء سخل تاه، لولا أن قطعها بكأس ماء، مثبتا عدسات نظارته اللامعة على قمة أنفه الغضروفية بإصبعه المتغضن، مباشرا على الكاميرا الرئيسية "بطرف عينه وحاجبه"، زاجرا المصور الشاب على عدم تركيزه على وجهه المربع بـ"كلوز"، مومئا للمخرج الذي تمترس خلف حاجز زجاجي بجهوزيته التامة، وما هي إلا ثوان حتى اندلعت في الاستوديو الكئيب موسيقى البرنامج الذي لا يشاهده أحد منذ ثلاثين عاما، وقبل أن تنتهي، خطف الميكرفون بلهفة ملدوغ صائحا صادحا "أهلا بك عزيزي المشاهد في برنامجنا الذي نستضيف عبره الخبير الاستراتيجي والمفكر المركزي، جمبازي الكونية، شيبوب الشرق الأوسط الجديد، سبايدرمان النظريات، طرزان العولمة، للإجابة عن عدد من التساؤلات الملحة التي تفترضها اللحظة المعاصرة بتحدياتها الفكرية التي تواجه أمتنا وتستهدف بالدرجة الأولى هويتها الثقافية، فشكرا له تلبية الدعوة، وقبل أن ينتهي اندفع الضيف مثل كلاشينكوف صدئ، سائحا بين المصطلحات، محلقا بين النظريات والأسماء، قافزا بين الإنجليزية والعربية مثل كنغر لغوي، مشددا ومنددا ومـهددا وسط مباركة المضيف وفرحه الذي فاق سعادة فقمة كوفئت بسمكة بعد وصلة سيرك ناجحة قبل أن ينهي مذبحة الملل هذه والتي يستحق بموجبها "كشاجم" عصره المثول أمام محكمة العدل الدولية بتهم الإبادة الجماعية والتطـهير العرقي، وإشاعة الكآبة وتشويه الثقافة وترويج المؤثرات العقلية والإساءة لمهنة المذيع المحترمة، إضافة لإشغال الناس، وحـجز ساعات بث واستوديو مع التلوث الـسمعبصري الذي سببه إعادة عرض البرنامج منتصف الليل.