من يبحر هذه الأيام في وسائل الاتصال الاجتماعي الحديثة، يجد أنه محاط بحروب كلامية تعج بالعنصرية والكراهية وأخطرها الجمل التحريضية، بعضها من السخف والسطحية لدرجة أنك لا تصدق أنها قد تثير أي عقل أو فكر أو إرادة حرة على اتباع ما تعرضه من منطق أعوج مبني على معلومات جمعت من مصادر أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها مبنية على إشاعات لا أكثر ولا أقل! ولكن اندفاع الكثير من المتلقين لهذه الأفكار التي تثير المشاعر لدرجة أن تجعلها تطغى على كل عمليات التفكير الناقد أو المنطقي، هذا الاندفاع يجعلهم أقوى وأكثر تأثيرا ممن أطلقها، وهلم جرا.. إلى أن ينتشر الجهل والكراهية في بنية المجتمع الافتراضي كالنار في الهشيم، إلى أن يأتي أحدهم وينقله بغباء إلى أرض الواقع، وتبدأ الفوضى، وهنا يتدخل أصحاب النفوس الطيبة والنوايا الحسنة ومن يحب هذا الوطن على طريقته الخاصة، أي حسب ما يراه هو المصلحة، بينما في حقيقة الأمر ما ينشده هو الشهرة والصعود على معارك الغير، فيصب الزيت على النار ويتلاعب في الكلمات والألفاظ لتخرجه أمام العامة بأنه لا يريد سوى الإصلاح والصلاح!

على هونكم يا أبناء بلدي، ماذا جرى للنسيج الواحد والأرض الواحدة، نعم لا نعيش في مجتمع ملائكي، نعم يوجد مشاكل منها ما استفحل لدرجة أنه أصبح كالدمامل يشوه طبيعتنا وحياتنا، ولا ننسى أن الكثير منها بسببنا نحن قبل غيرنا، ولن أشرح هنا كيف فهذا يحتاج إلى مقالات كثيرة، ولكن المهم هنا والآن أن نسأل أنفسنا: هل يوجد أي سبب يجعلنا نخاطر أو يستدعي التخلي عن الأمن والأمان، عن لحمتنا الوطنية؟! هل ندرك خطورة خسارة هذه الخاصية التي نعيشها يوميا وفي كل ساعة بل في كل لحظة؟ لماذا لا نتعلم من تاريخ دول عاشت الفوضى وانعدام الأمان لعقود وخسرت الأخضر واليابس، وفي نهاية الأمر لم تجد سبيلا سوى الجلوس إلى طاولة الحوار لتصل إلى إعادة الأمن والأمان لمجتمعها كي تعيد ما سرق وما نهب وما تحطم، ولكنها بنفس الوقت لم تستطع أن تعيد من قتل ومن اغتيل، ولم تجد ما تغسل به آثار الدماء التي سفكت؟! لماذا لا نتوقف وندرس ما يجري في دول تعيش ما يسمى "الربيع العربي"، ألا نرى الموت، ألا نرى التقسيم، ألا نرى الفوضى وانعدام الأمن، وماذا عن الفتن الطائفية والإثنية والعرقية، التي تفوح عفنتها لحد أنها تصيب كل عاقل بالغثيان؟!

إننا لو أجرينا دراسة سريعة وبسيطة على كلمات الكراهية والتحريض فسنجد أنها تستولي على جل ما يكتب، بينها أصوات مبحوحة تنادي بالتروي والتفكير، التأكد والمراجعة، المطالبة والمحاسبة من خلال الحوار والطرق المشروعة، ولكنها تضيع ما بين الزمرة الأولى وزمرة عديمي المسؤولية الذين يريدون قياس نسبة خفة أو ثقل دمهم على ثرموميتر زئبقه ليس سوى كتل من الأبجديات المسمومة، أي بقصد أو بدون قصد، يعملون على تحويل الأنظار عن روح القضايا وتحويلها إلى مواد للسخرية وإطلاق النكت أو التعليقات التي تصل إلى حد السفاهة أحيانا كثيرة، ولا ننسى في خضم ذلك كله أصحاب الكلمات التي يلبوسنها ثوب الحق ولكن يراد بها باطل، وهؤلاء في نظري هم الأخطر بالمجموعة كلها، المهم أن ندرك أن كل ذلك في النهاية سوف يساهم في إشعال الفتنة ويسعى إلى إحلال الفوضى!

على هونكم يا أبناء بلدي، ففي العالم الافتراضي، نجد أن الألعاب الإلكترونية تطير فيها الرؤوس وتسيل فيها الدماء، ولكنها تظل في عالم غير حقيقي، تستطيع أن تنهيها بكبسة زر، ولكن إن سالت الدماء على الأرض فبأي زر سننهيها؟! إن الدم لا يجر سوى الدم، والسيل يبدأ بنقطة! لا تقللوا من شأن العالم الافتراضي وما يجري عليه وبه ومن خلاله، فلقد رأينا انتقال معاركه إلى الأرض ورأينا تبعياته ونتائجه! أنادي أصوات العقل، أنادي أصوات الحكمة، أنادي أصحاب البصيرة بالتدخل وإطفاء نيران عبارات الحقد والكراهية والعنصرية، لنقف يدا واحدة في وجه أي عالم يريدون أن يواجهونا من خلاله؛ واقعا كان أم افتراضيا، لنلتفت إلى ثوبنا الذي يسترنا، فهنالك من يعمل على خرقه وحرقه، ولكن وللأسف الشديد من بينهم من نطلق عليه.. ابن بلدي!