"لا تتحقق التربية ولا التعليم إلا في بيئة آمنة" حول هذه العبارة الجوهرية تدور رحى الكثير من الخلافات والفروق بين الرؤى والتطبيقات التربوية. بسرعة يمكن القول إن الغالب من الناس سيتفق مع هذه العبارة في ظاهرها، ولكن كما يقول الأميركان، في التفاصيل يكمن الشيطان. أولا لا بد من التأكيد على أن جميع البشر منخرطون في عملية التربية حتى ولو كانوا خارج التعليم أو خارج الأسرة، لأن التربية باختصار حاضرة في كل تواصل إنساني.
في كل تواصل بين كائنين أو أكثر تنشأ علاقة مركبة ومعقدة في داخلها تحدث عملية التربية والتعليم. هذا باختصار بالنسبة للتربية في عباراتنا الافتتاحية، أما بالنسبة للأمن فلا بد أيضا من إعطائه معناه الأعمق لتتضح الصورة. في الخطاب التقليدي يُحصر معنى الأمن في استقرار المجتمع الظاهري. بمعنى أن تكون هناك جهة واحدة مسيطرة وأن يأمن الناس على أجسادهم وأموالهم إلا من هذه الجهة. ما نطرحه هنا معنى أعمق للأمن ينطلق من مفهوم الإنسان ككائن يتحقق أمانه باطمئنانه على حريته وحقوقه وجسده وماله من أن يُعتدى عليها.
أعتقد أن هذه التوضيحات ستجلي الفرق بين الرؤى التربوية حول مقولة إن التربية والتعليم لا يتحققان بدون الشعور بالأمان. وباعتبار أحداث جامعة الملك خالد الأخيرة فسأجعل الجامعة والطالبة والطالب الجامعيين موضوع ونموذج هذا المقال، أي سأسأل: كيف يمكن أن تكون الجامعة مكانا آمنا للطالبة والطالب يحققان فيه تربية وتعليما احترافيا عالي المستوى؟ أول مبدأ لتحقيق الأمان في الجامعة هو إشهار وإبراز وثيقة التعاقد بين الطالب والجامعة. أي أن يعرف الطالب حقوقه وواجباته، وهذه مهمة الجامعة التي يجب أن توفر المعلومات للطالب وتعترف بحق الطلاب في إقامة نشاطات توعوية واستشارية، هدفها جعل العقد بين الطالب والجامعة معلوما مفهوما قابلا للاستثمار. بعد أن يكون العقد معلوما فلا بد من فحصه لنعلم هل يحقق الأمان أم لا. لنسأل: هل يحفظ نظام الجامعات حق الطالب في التفكير والتعبير والسؤال والنقاش بحرية؟ هل ينص على ذلك بصراحة ويلزم الأستاذات والأساتذة باحترام هذا الحق؟ الواقع يقول إن قاعة الدرس في غالب جامعاتنا مكان خال من السؤال ومن النقاش. مكان تحكمه علاقة من طرف واحد هو الأستاذة أو الأستاذ. البقية دورهم لا يتجاوز الاستقبال. الأزمة في هذه العلاقة أو هذه الصورة أنها تمثل علاقة غير آمنة. بمعنى أنها تعلن بوضوح أين يكمن مركز السلطة والقرار. الأساتذة التقليديون لدينا يعلنون ومن اللحظة الأولى للقاء الطالبات والطلاب عن هذه العلاقة. يعلنونها في طريقة الكلام والحركة داخل القاعة، في توجيه الخطاب، في غياب الوضوح وحصر التوضيح الفردي في ذات الأستاذ ليبقى تحت تصرف نزواته. لذا أقترح على كل أستاذة وأستاذ أن يجعلوا من عملية التعليم كلها محاولة لزرع هذا الأمان. ابتداء من خطبة الأمان في بداية الدراسة والمتمثلة في إيضاح الحقوق والواجبات وإعلان الالتزام بحق الطالب الفكري والدراسي، إضافة إلى جهد مستمر ومتواصل داخل وخارج القاعة ييسّر العلاقة بين الأستاذ والطالب ويحولها إلى علاقة عادلة تقوم على مفهوم الخدمة والمساعدة بدلا من أن تكون علاقة يحقق فيها الأستاذ أو الأستاذة ذواتهم وسلطتهم.
سؤال أخر جوهري يتعلق بتحويل الجامعة إلى بيئة آمنة.. أن يكفل العقد بين الطالب أو الطالبة والجامعة حق الطالب في أن يكون عنصرا فاعلا وصاحب إرادة وقرار. أي أن تصبح الجامعة للطالب؛ بمعنى أن تكون مكانا له يمارس فيه نموه الفكري والأخلاقي ويتعلم فيه كيف يتخذ القرار ويتحمل مسؤولياته. الجامعات اليوم هياكل غريبة على الطلاب. أماكن لم يصنعوها ولا يسمح لهم بالتدخل في شؤونها. أماكن تعاملهم على أنهم أغراب ليس لهم الحق إلا في شهادة بعد أربع سنوات لا أحد يعلم قيمتها خارج أسوار الجامعة. مشاركة الطالب في قرارات الجامعة معنى جوهري في مفهوم الجامعة وفي كونها بيئة تعليم حقيقية. في كثير من الأحيان تغطي الجامعات هذا الحق بمجالات استشارية وهمية لا تملك صلاحية ولا احتراما حقيقيا، ولا تمثل سوى عدد محدود من الطلاب لم يتم انتخابهم من قبل بقية الطلاب، مما يجعلها مجالس شكلية ربما ضارة أكثر منها نافعة. لكي تكون الجامعة بيئة آمنة لا بد أن تكون مجالا مفتوحا لممارسة الطالبة أو الطالب مختلف قدراته الذهنية والجسدية.. مجالا للتجريب، للصواب والخطأ، مجالا رحبا متسامحا مفتوحا. الواقع أن جامعاتنا اليوم ليست مكانا مرحّبا بهذا التنوع. الجامعة اليوم تجعل الطالب في قلق على حقوقه الأساسية، بل في بديهيات التعليم مثل الحصول على مقعد مناسب أو وجبة غذائية صحيّة.
إذن لتكون عملية التربية والتعليم آمنة لا بد أن يتواصل الناس بحرية. في الجامعة، موضوعنا هذا الأسبوع، لن يتحقق الأمان إلا إذا مارست الطالبة ومارس الطالب التواصل بحرية مع الآخرين داخل قاعة الدرس وخارجها في الحرم الجامعي. هذا التواصل لا بد أن يُحفظ ويؤمن بعقد الشراكة بين الطالب والجامعة، ومهمة الطرفين تحويل هذا التعاقد إلى ثقافة عامة لدى الجميع وسلوك واع من خلال الممارسة على أرض الواقع. في الجامعة الآمنة لا بد أن يكون صوت الطلاب مسموعا وأمامهم طريق طبيعي لحل مشاكلهم. إن أكبر علامة على فشل الجامعة اليوم أن تعجز عن حل مشكلاتها، أي أن تعجز آلاف العقول من طالبات وطلاب وأساتذة وأستاذات عن حل مشاكلهم داخل الجامعة. لنعلم أن حلّ مشكلة الجامعة هو أهم تجربة تربوية وخبرة حياتية، وقد نجح طلاب وطالبات جامعة الملك خالد في التفوق على ظروفهم وخاضوا هذه التجربة بشجاعة ومسؤولية.