فيما كان اهتمام العالم مركزا على الاجتماع الذي ضم بنيامين نتنياهو مع باراك أوباما منذ أيام، كان الحدث الأهم لذلك اليوم يحدث في مكان آخر، في شيكاغو، حيث دق المحامي العام إريك هولدر مسمارا في نعش الدستور الأميركي. أعلن هولدر في خطاب غير مسبوق أن أميركا في حالة حرب مع الإرهابيين ولذلك يحق للرئيس قانونا أن يأمر بقتل مواطنين أميركيين، دون تهم أو محاكمة أو إدانة. كان هذا انقلابا مباشرا على الدستور الأميركي غير مسبوق دفاعا عن ممارسات رئيس أحادية.

بعد خمسة أشهر من قتل المواطن الأميركي أنور العولقي في اليمن، والذي تلاه قتل نجله الذي لم يكن يتجاوز الـ16 سنة من العمر، وصديق للعائلة، وجميعهم مواطنون أميركيون؛ بأوامر من الرئيس أوباما؛ سافر هولدر إلى كلية لحقوق في جامعة شيكاغو لإعطاء هذا التبرير الوقح للقتل المستهدف، لكنه لن يمر دون معارضة.

المحلل القانوني أندرو نابوليتانو حذر من خطر ما قاله هولدر وما يفعله أوباما، في مقابلة على قناة فوكس نيوز. نابوليتانو قال إن "أوباما يتخذ موقفا وكأن بإمكانه أن يصبح قاضيا ولجنة محلفين وجلادا، بدون لجنة محلفين، وبدون تهمة، وبدون أي متطلبات رئيسية وإجراءات".

ما قاله هولدر هو أن أميركا في حالة حرب ضد عدو لا يمكن الاستهانة بإصراره وعزيمته. وأصر هولدر على أن هذه لا تسمى "اغتيالات"، وأن من حق الحكومة الأميركية ومسؤوليتها الدفاع عن الولايات المتحدة باستخدام القوة القاتلة، لأن الكونجرس أعطى الرئيس تلك السلطة التي يستطيع من خلالها أن يفعل أي شيء يراه ضروريا.

ما قاله هولدر يعتبر دفاعا واضحا عن قانون الإمبراطورية وقوانين الرايخ الثالث أيام هتلر، أن إرادة الحاكم هي القانون، وأن مادة "الإجراءات القانونية" لا تفرض متطلبات محددة لجميع الحالات، لكنها تضع ضمانات إجرائية على ظروف خاصة. وأضاف هولدر أن الدستور لا يمنع الرئيس من قتل شخص يعتبره زعيما لتنظيم إرهابي، حتى لو كان ذلك الشخص مواطنا أميركيا.

هل كان هولدر يعني أن الولايات المتحدة تخضع حاليا لقانون الطوارئ؟ لم يقل ذلك بوضوح، لكن جميع الأمثلة القانونية التي استخدمها كانت تشير إلى ذلك. ومع ذلك يؤكد هولدر في ختام حديثه أن كل هذا لا يشكل ابتعادا عن القوانين والقيم الأميركية، بل مؤشر على عصرنا الحاضر.

ولكن هل يعني هذا أننا قد نشهد استخدام طائرات دون طيار لتنفيذ عمليات قتل داخل الولايات المتحدة مستقبلا؟ في أكتوبر 2011، بعد مقتل أنور العولقي مباشرة، ظهرت موجة من القلق في الصحافة الأميركية: هل استخدام الطائرات بدون طيار لاغتيال مواطن أميركي في بلد ليس في حالة حرب مع الولايات المتحدة يشكل سابقة لمثل هذه العمليات ضد مواطنين أميركيين داخل أميركا؟

لم يقل أحد في الحكومة إن مثل هذا الاحتمال المحلي قد يحدث، لكن هناك ما يشير إلى أن السلطات الأمنية الأميركية تدرس إمكانية استخدام طائرات دون طيار للمراقبة المحلية منذ سنوات، حتى قبل وصول الرئيس أوباما إلى البيت الأبيض. مثل هذه الأساليب تستخدم علنا لحماية الولايات المتحدة من التهديدات الخارجية مثل الإرهاب وتهريب المخدرات، وبحسب قول بيتر سينجر، من مؤسسة بروكينجز للأبحاث، فإن وزارة الدفاع الأميركية تستخدم 7000 طائرة بدون طيار من جميع الأنواع.

وزارة الأمن الوطني بدأت تدخل مجال الطائرات بدون طيار بعد تأسيسها في 2002 بفترة قصيرة، وقد حصلت على معلوماتها حول هذه التكنولوجيا من المؤسسة العسكرية من خلال قوات المهمات المشتركة في الشمال، وهي خلية تخطيط تعمل تحت سلطة القيادة الأميركية الشمالية لحماية الحدود وفي عمليات مكافحة المخدرات.

وفي مركز العمليات البحرية والجوية التابع لوزارة الأمن الوطني، يتم استخدام الطائرات بدون طيار من مواقع مختلفة في الولايات المتحدة، حيث تستخدم لمراقبة كامل الحدود الأميركية-المكسيكية والحدود الأميركية-الكندية.. وهذا ليس برنامجا سريا، ففي سبتمبر 2010 قال مايكل كوستلنيك، مدير مركز العمليات البحرية والجوية، لمجلس النواب في الكونجرس الأميركي إن دائرته بحاجة لأسطول من 24 طائرة بدون طيار من نوع (بريديتور)، وتريد القدرة على إرسالها إلى أي مكان داخل الولايات المتحدة في حال حدوث كارثة طبيعية، بحسب قوله.

لكن الطائرات بدون طيار ليست قاتلة جيدة، فهي قد تقتل الأشخاص الخطأ كما ثبت من تجارب سابقة في باكستان وأفغانستان مثلا. ورغم هذه المشاكل، تظهر وزارة الأمن الوطني والسلطات الأمنية المحلية والفيدرالية حماسة بالغة للحصول على الطائرات بدون طيار، والشركات الأميركية تخطط لإنتاج كميات كبيرة إذا تم السماح لسلطات الأمن المحلية باستخدامها.

يقول الخبير القانوني نابوليتانو "إذا تم قبول ذلك دون ضوابط.. فقد ذهبت حرياتنا"! كان نابوليتانو يتحدث فقط عن التبرير القانوني لاغتيالات الأميركيين، ولكن إذا أضفنا إلى ذلك التكنولوجيا التي تجعل الاغتيال سهلا مثل لعبة فيديو، فذلك خطر وشيك على الحرية. وكما قال نابوليتانو، لم يكن هولدر يعطي رأيا قانونيا. كان مجرد خطاب، ولا يزال هناك وقت لإنقاذ الدستور الأميركي.