الخليج لم يعد ساحة تنافس صامت بين قوى متجاورة، ولا هامشًا على أطراف النظام الدولي. ما يجري اليوم هو إعادة رسم لخارطة النفوذ الفعلي، حيث تنتقل مراكز القرار من الرمزية إلى الفعل، ومن ردود الأفعال إلى صناعة الأجندة. في هذا السياق، تتقدم المملكة بوصفها الدولة الوحيدة القادرة على الجمع بين عناصر متناقضة ظاهريًا: الاستقرار مع التغيير، السيادة مع الانفتاح، المصالح الوطنية مع بناء التوازنات الإقليمية.
الرياض نجحت في فرض معادلة جديدة مفادها أن الاستقرار لا يأتي من الجمود، وأن القيادة لا تعني التمسك بالموروث كما هو، وإنما امتلاك الشجاعة لإعادة صياغته بما يخدم المستقبل. هذه المعادلة لم تعد داخلية فقط، فقد أصبحت جزءًا من فهم العالم لدور المملكة. القوى الكبرى تتعامل مع الرياض باعتبارها بوابة الدخول إلى الشرق الأوسط بصيغته الجديدة، شرق أوسط أقل ضجيجًا وأكثر عقلانية، أقل أيديولوجية وأكثر براغماتية.
على مستوى السياسة الإقليمية، تحولت المملكة من موقع الدفاع عن التوازن إلى موقع صناعته. القدرة على فتح قنوات متوازنة مع أطراف متعارضة، وإدارة ملفات شائكة دون الانزلاق إلى الاستقطاب، جعلت الرياض مركز ثقل لا يمكن القفز فوقه. من ملفات الطاقة إلى أمن الملاحة، ومن إعادة ترتيب العلاقات الخليجية إلى إدارة التعقيد في البحر الأحمر، يظهر نمط واحد يتكرر: أي مسار جاد يمر عبر الرياض أولًا.
عالميًا، تتقاطع المصالح الاقتصادية مع التحولات الجيوسياسية بطريقة تضع المملكة في موقع فريد. العالم يبحث عن استقرار في سلاسل الإمداد، عن شريك موثوق في الطاقة التقليدية والبديلة، عن سوق قادر على امتصاص الصدمات العالمية، وعن قيادة تفهم لغة المصالح أكثر من لغة الشعارات. هنا لا تُطرح الرياض كخيار بين خيارات، وإنما كنقطة ارتكاز لا غنى عنها.
ما يميز اللحظة السعودية الحالية ليس حجم المشاريع ولا ضخامة الأرقام فقط، وإنما وضوح الرؤية. حين تمتلك الدولة تصورًا متماسكًا لما تريد أن تكون عليه بعد عقدين، فإنها لا تتصرف بردود أفعال آنية. هذا الوضوح هو ما يجعل الآخرين يعيدون حساباتهم قبل اتخاذ أي خطوة في الإقليم. القرارات الكبرى اليوم تُفكَّر مرتين، مرة في عواصم القرار التقليدية، ومرة في الرياض.
اللافت أن هذا الدور لم يُفرض بالقوة، ولم يُبن على خطابات استعراضية. تم بناؤه بهدوء، عبر إعادة هيكلة الداخل، وإصلاح العلاقة بين الدولة والمجتمع، ثم تصدير نموذج سياسي اقتصادي قادر على الإقناع. التأثير الحقيقي لا يحتاج إلى رفع الصوت، يكفي أن تتغير وجهة السير من تلقاء نفسها.
لهذا، حين ننظر إلى المشهد الخليجي والعالمي اليوم، ندرك أن السؤال لم يعد من يقود المنطقة، وإنما كيف تمر المشاريع والتحالفات والتسويات دون المرور عبر الرياض. في زمن تتسارع فيه التحولات وتنهار فيه المسلمات، تثبت المملكة أن القيادة ليست لحظة عابرة، وإنما مسار طويل تصنعه الرؤية والانضباط والقدرة على قراءة المستقبل قبل وصوله.
كل الطرق تمر عبر الرياض، ليس لأنها تريد ذلك، وإنما لأن الواقع أعاد ترتيب نفسه على هذا النحو.