سأعود قليلًا إلى لحظةٍ عتيقة سأل فيها الإنسانُ سؤالًا غريبًا: إذا كانت الأشياءُ تتغيّر فكيف نفهم العالم؟ هذا السؤال جعل الإنسان يبحث عن (أنموذج) ثابتٍ يقيس به الواقع المتغير، كمثل أن يُجعل للعدالة أنموذجًا يُقاس عليه المحاكمات، وقد تفرع عن هذا الأنموذج أساليب يستخدمها الإنسان في حياته كلها، كوضع أنموذج للدليل والمحاججة فحين تخدع الزوجةُ زوجها فإنها تستخدم هذا الأنموذج، وحين تَصدقه فإنها تستخدمه أيضا، وتفرع أيضا عن هذا الأنموذج أداة للحساب، أي حساب خطوات الإنسان وأعماله في الطبيعة وحساب حركة الطبيعة فيه، وذلك لتشغيل الواقع بالطريقة التي يُريدها الإنسان، وغير ذلك من التفريعات التي جعلت الأنموذج هدفها لمساءلة الحياة وتشغيلها. هنا نعود إلى صاحبنا ابن الجوزي الذي عُرف أنَّه واعظ، والوعظُ لولا أنه يُحيل إلى أنموذج يُسوغه لما اقتنع به الموعوظ، لهذا قالت العرب: «كفى بالموت واعظًا» مع أنَّ رؤية الميت لا تُسوّغ الاقتناع بما بعده، وما ذاك إلا لأنَّ العرب تريد أن تجعل الأنموذج شيئًا معروضا حسيا وليس ميتافيزيقيا، على طريقتهم في سوق عكاظ؛ إذ يتجول الرجلُ في السُوق فيتقاسم سمعه: خطبٌ وأشعار ومجادلات من جهة وأنماطُ مبايعات من جهة أخرى، وكلها تَمرُّ على سمعه بوصفها معروضات وليست ممتلكات، أي أنَّ الأنموذج يبقى في مجال الحواس ولا ينتقل منها إلى مكان آخر، وهكذا هي الدنيا - في نظر العربي القديم - أشياء معروضة ولن يملك منها الإنسانُ على وجه الحقيقة شيئًا، وهذا هو لبّ الوعظ، وهو الشارح لمعنى: «الأنموذج يُعرض ولا يُقبض» في سياقِ الوعظ الجوزيّ تحديدًا، ذلك الذي تحول إلى علم لمَّا أُدخِل فيه الأنموذج كنظرية، ويكفي أن نطّلع على كتاب المدهش لابن الجوزي، لنرى (الوعظ لوجيا)! ماثلًا كسوقِ عكاظ.
التفاتة:
ابن الجوزي أسّس نظريته في الأنموذج على مفهوم الشهوات، لأنها تعرض على الإنسان فتؤثر به دون أن تتملكه، أما الشبهات فهي تُعشّش في ذاكرة صاحبها، وقد نظر ابنُ الجوزي في أمور من سبقوه من ديانات أخرى، فوجد أنَّ مشكلة اليهود شهوة ومشكلة النصارى شبهة، فجعل مقابل الشهوة (عرضا) ومقابل الشبهة (قبضا)؛ لأنَّ صاحب الشهوة قد يتأثر حين تُخاطب قلبه، أما صاحب الشُبهة فلا، ثم ألا ترى تاريخ الفلسفة يصول ويجول بين عرضٍ شرقي وقبضٍ غربي؟