لا أحد يعرف أين هي سميرة توفيق الآن، فالأمر لم يعد يعني أحدا وهذا محزن، محزن جدا ويحمل نكرانا فادحا لا يليق حتى وإن تغير الوقت، وتحولت المجتمعات وتعاقبت الأجيال، نعم تأدب المهربون البدو الذين كانوا يضعون صورتك في عرباتهم الحمراء جلبا للفأل وأنسا في وحشة الحماد المريعة، ذبلت بيروت الستينيات كحب قديم، شاخ مراهقو الصحراء الذين فتنتهم دهرا يا امرأة، لكن آه لو تعلمين كم فتاة أغظتها؟ وجميلة ضاقت ذرعا من إطراءات الناس لك، وشيخا أطاشت سمته نظرتك المفاجئة كالصاعقة، وفتى خلعت قلبه وأشعلت أحلامه كحرائق المجرات البعيدة، وقتها لم تكن الخدود تعرف الكولاجين ولا الشفاه تمتلئ بـالبوتوكس، سيدتي أعرف أنك بعيدة الآن، ولكن عيونك ما زالت جميلة، أعرف أنك لا تقرأيني، لكن سحرك أبدي، أعرف أنك على مشارف الثمانينيات لكن حضورك بهي ومتوقد وحي لا ينفد ولا يخبو، وأعرف أنه لا مسرح في الدنيا قادر على استيعاب وهج مجدك، لكني لا أعرف سر جاذبيتك الخفية ومن أين تنبع، أجهل تفسير الضوء وتعليل النور، كل التفاصيل تتوقف وكل التشبيهات تتراجع يا سيدة المواسم والشمس التي تركض في الحقول، شيء مختلف ونادر، حرز قديم لكاهنة عجوز رمته في الجبال فجن الحجر والشجر والبشر والطير، اليوم يتوارى صوتك، تغدين فصلا في دفتر الليل، يعبر كثيرون جسور الوقت المنصوبة على نهر الحياة، لكنك استثناء، حالة ليست كالحالات، وكلمة عصت على الأبجديات، اليوم أكتب حتى أخاتل الفقد وأراوغ الحقيقة وألتف على المستحيل، أكتب حتى أتقي عينيك التي لم تفقدهما السنين بريقا عتيقا كالعناصر المشعة في الطبيعة، خوفا أن أقرأ نعيك خبرا صغيرا في مطبوعة سيارة لم تدرك يوما أي سر كمن في البهجة التي تركتها لأزمنة تحجرت بعدك.