النكوص إلى التاريخ واستدعاء رموزه وحمولاته الماضوية لإبراز حضورنا الثقافي والفكري نهج سنته بعض مؤسساتنا المعنية بالثقافة والإبداع متخذة من الشخوص المضيئة عبقا نديا يتداوله المدعوون عبر ندوات ومحاضرات عدة أيام، ثم ينفض السامر ويتفرق الجمع.
لست ضد ملتقى عنترة العبسي في نادي القصيم الأدبي قبل عامين تقريبا، ولا مهرجان عكاظ بشاعريه زهير أو طرفة، وصولا إلى مهرجان قس بن ساعدة في نجران الحبيبة خلال الأسبوع الفارط، ناهيك عما يعتزم نادي حائل تنظيمه حول حاتم الطائيّ وفق ما يتناقله الرواة، لست ضد ذلكم كله غير أن تقليب صفحات القرون الأولى واستحضار أيامها وأخبارها وبطولات قبائلها لا يختلف كثيرا عما تثيره بعض مهرجانات المزاين من نعرات، ولتكن هذه نظرة متطرفة قليلا وتشبيها مسرحيا مبالغا فيه ولكني سأتخيل أن تجتهد كل منطقة في الغوص في بحر حكايات زمان ثم الخروج بشخصية وإيقاظها من سباتها العميق وتأطيرها في شعار ملوّن بغية الافتخار بها بضعة أيام ثم إعادتها إلى دهليز التاريخ تارة أخرى إلى غير رجعة.
كما أنه ليس من مهام الأندية الأدبية - في رأيي - وما يشبهها من مؤسسات تضطلع بالتنوير الفكري والثقافي أن تعيد على الأذهان ما حفلت به مقرراتنا التعليمية في المدارس والجامعات ومراكز البحث العلمي من قراءات معمقة عن تلكم الرموز الثقافية في حين يعيش بين ظهرانينا من الرموز الشعرية والسردية والفكرية عموما ما يستحق أن تسمى باسمه مهرجاناتنا ولقاءاتنا، نشتغل بما أنتجوه وأثروا به المشهد ونشعرهم بحفاوتنا العملية وليست الرمزية التقديرية العابرة.
أعلم أن أسئلة الدهشة ستثور في مواجهة هذا الرأي ولا مشاحة في ذلك فلكل رأيه الذي يقدّر إلا أن استلهام التاريخ وإعادة إنتاجه ينبغي أن يقترن اقترانا وثيقا بالنظرة الممتدة إلى المستقبل وأن نعكف على درس ومناقشة قضايا الواقع الثقافي المعيش مصطحبين في ذلك حراك العقول الشابة المبدعة والتي أضحت حاضرة بفاعلية على وسائط الإعلام الجديد فكرا وإبداعا وبحثا رصينا.
خط العودة هذا لا يتناسب وما يحتاجه التسارع المعلوماتي في سبيل الولوج إلى الكون المعرفي فالمعطى التاريخي مهم ومصدر اعتزاز وجدير بالتذكر ولكن على سبيل التزوّد وتكريس الثقة والمرجعية الراسخة حتى لا نثقل كاهلنا بما يشوش رؤيتنا ويصنع كثيرا من الغبار في أفقنا الثقافي ثم لا تنفع –حينذاك- ملاحم ولا بطولات أبعد مداها في مقاربة العصر ما حوته السطور العتيقة والصدور الحافظة.