قد يكون من الجيد أن يتم إحلال العمالة المنزلية بشركات صيانة ونظافة تقوم بصيانة المنزل ونظافته بما يعادل تكلفة الخادمة في الشهر أو أكثر قليلا، وبحسب الزيادة في الخدمات تتم الزيادة في الأجر
سألني صديقي لماذا ليس لديك خادمة؟ سؤال صعب استغرق أمسية كاملة، فهو يمس مختلف أبعاد الحياة في بيوتنا، التي أصبحت الخادمة جزءا مهما منها بل لا أكون مبالغا إن قلت أساسا قويا وركنا مكينا فيها، ولا أقول إن الاستغناء عنها مسألة سهلة، كما لا أقول إن وجودها غير مهم، بل أنا أقر بالأهمية، وأجزم أنني وزوجتي نعاني أو على الأقل نفتقد بعض الرفاهية التي يوفرها وجود الخادمة في المنزل، ولكن المسألة مسألة مبدأ فنحن نؤمن أن للخادمة حقوقا لا نستطيع أن نؤديها وما لم نؤدها فإننا نسهم في إدخال الفتنة على أبنائنا ومجتمعنا، ولهذا فمن الأفضل ألا نقحم أنفسنا في ظلم العباد.
الخادمة، امرأة فرضت عليها ظروف معيشتها في بلدها الفقير أن تستجير من الرمضاء بالنار وأن تضع نفسها على الحد الفاصل بين الحرية والرق، وتأتي من بلدها إلى عالم المجهول تاركة خلفها عالمها الذي عاشت فيه، وزوجها، وأبناءها، مضحية بنفسها لتحقق لهم لقمة عيش أفضل قليلا مما يتوفر لهم في بلدهم، وليس هنالك من وصف للخادمة أبلغ مما يعكسه واقع أن ما يأتي بها إلى المملكة هو 600 ريال أو حتى أقل في بعض الأحيان تتحصل عليها شهريا.
ولكن هل هذه هي الصورة الواقعية التي نتعامل من خلالها مع الخادمة، أكاد أجزم أن هنالك من يضعها نصب عينيه ويخاف الله في ذلك، ولكن البعض منا دون أن نشعر أحيانا يتعامل مع الخادمة على أنها قطعة أثاث بخيسة الثمن نحركها كيف شئنا، ليس لها كيان ولا أحاسيس، وأن لها من الحقوق الآدمية ما يجب علينا أن نراعيه. إننا حين نغفل أعيننا عن هذه الاستحقاقات الطبيعية والمالية للخدم عموما، فإننا نجعل من أنفسنا في نطاقنا الضيق نسخة للدكتاتوريات العربية التي ثارت عليها شعوبها بعد صمت طويل، وبدلا من أن نلتفت لأنفسنا ونصلح من شأننا وآليات التعامل مع الخدم عموما، فإننا نزيد أحيانا في القمع والحرمان ونوجه أصابع الاتهام للخدم بأنهم ليسوا أهلا لأن يخدمونا وأنهم هم مصدر الفساد في بيوتنا.
لقد امتلأت مكتباتنا بكتب شتى عن المصائب التي تسببها الخادمات في البيوت وتأتي دائما على قائمة هذه المصائب الممارسات اللاأخلاقية لهن، ولكن كثيرا من هذه الكتب تهمل الجانب الحقوقي في هذه المسألة، فتتغافل عن أصحاب البيوت كيف مزجوا ما بين الكبت لها والإهمال لحقوقها وبين ترك الحبل على غاربه لأبنائنا، وتبالغ في أن تجعل منها مسخا آدميا بلا أخلاق، من الأحرى بهذه الكتب بدلا من تكريس تصوير الخادمات على أنهن مصدر الفساد، أن تطرح الحلول المناسبة والعملية التي تناسب حاجة المجتمع، فنحن الآن في مرحلة أصبحنا (في الغالب) لا نستغني عن الخادمة، لأن بيوتنا كبرت بشكل ليس له مثيل على مستوى العالم، وبلغنا نحن ونساؤنا وأبناؤنا (إلا من رحم الله) من الرفاهية والكسل ما لم يصله مجتمع، وبالتالي أغمضنا أعيننا - أمام رفاهيتنا هذه- عن الحاجات الطبيعية للخدم، مما جعل منها قنبلة موقوتة من الممكن أن تنفجر في أي وقت.
هذا المقال همسة في أذن كل من لديه خادمة، وهمسة في أذن كل مسؤول عن دخول خادمة إلى هذه البلد، أعيدوا النظر في الموضوع بطريقة أخرى:
1) لأولئك الذين يحتاجون للسائق والخادمة معا، أو لأكثر من سائق وخادمة، لماذا لا نستقدم الخادمة مع زوجها ليعملا في ذات البيت.
2) لماذا لا نتيح الفرصة لمن هم عندنا وهم غير متزوجين أن يتزوجوا إن رغبوا من خلال سفارات بلادهم، فمن الممكن أن تعد السفارات قوائم بأسماء السائقين والخادمات، وحالتهم الاجتماعية، وديانتهم، بحيث تقوم هذه السفارات بتوثيق عقود الأنكحة وتزويد الكفلاء بصورة منها، ثم نتيح للخادمة والسائق العاملين في منزلين مختلفين فرصة الاختلاء مستفيدين من الإجازة الأسبوعية.
3) قد يكون من الجيد أن يتم إحلال العمالة المنزلية بشركات صيانة ونظافة تقوم بصيانة المنزل ونظافته بما يعادل تكلفة الخادمة في الشهر أو أكثر قليلا، وبحسب الزيادة في الخدمات تتم الزيادة في الأجر، في نظري أن هذا النظام سيوفر لنا كثيرا من العناء والقلق الذي نعيشه وتعيشه الخادمات في بيوتنا، وسيعيد إلينا وإلى نسائنا وأبنائنا الكثير من الحيوية والنشاط، وسيعلم أبناؤنا أن هنالك لحظات في اليوم ليس بها من يخدمنا.
بينما تعيش الخادمة بيننا على الهامش، ليس لها منا سوى صيغة الأمر، فلنراجع أنفسنا وللنظر في بيوتنا، ولنحاكم أنفسنا قبل أن يحاسبنا الله، هل تعيش الخادمة عندنا، وتمارس عملها في مناخ آدمي، بأن تكون لها غرفتها الخاصة، وإجازة أسبوعية، وأن يكون العمل محدودا في اثنتي عشرة ساعة فقط كحد أقصى (إن لم يكن أقل).
تغريدة: إننا بحاجة لأصحاب القدرة على النقد مع التغافل عن المنتقدين بحيث نتلافى شخصنة المواضيع وتجيير النزاع لصالح جهة أو موقف معين بدلا من قصد المصلحة.