السعودية اليوم تملك أفضل الفرص للوصول إلى مصاف الاقتصاديات الطموحة والمتنامية، وإن نجحنا في اختيار شركائنا الاستراتيجيين بأسرع وقت فإننا سوف نقطف ثمار نجاح الشريك الفائز
مشاركتنا في قمة مجموعة العشرين جاءت لسببين رئيسين: الأول كان نتيجة حتمية لما حققته السعودية من أهداف تنموية مشهودة بأعمالها الإنسانية المشرّفة ومساهماتها الدولية الطموحة، والثاني جاء لمكانة المملكة الفريدة كأكبر منتج ومصدّر للنفط في العالم، ولكونها صاحبة الاقتصاد الأكبر في منطقة الشرق الأوسط، واحتلالها المرتبة 12 في التجارة العالمية والمركز 18 في قيمة الناتج المحلي الإجمالي الذي فاق نصف تريليون دولار.
قمة العشرين مجموعة مكونة من 20 إقليما اقتصاديا يضم 46 دولة، وهي بالترتيب حسب قيمة ناتجها المحلي: الاتحاد الأوروبي (27 دولة)، أمريكا، الصين، اليابان، ألمانيا، بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، الهند، روسيا، البرازيل، المكسيك، كندا، كوريا الجنوبية، تركيا، إندونيسيا، أستراليا، السعودية، الأرجنتين، وجنوب أفريقيا. وتمثل دول مجموعة العشرين 75% من شعوب المعمورة و85% من اقتصاد العالم و90% من قيمة التجارة العالمية.
قبل انهيار الأسواق المالية والعقارية في نهاية عام 2008 كانت قيمة الاقتصاد العالمي تساوي 56 تريليونا من الدولارات. خلال ثلاثة أشهر فقط وصلت خسائر العالم إلى 17 تريليونا من هذه القيمة، تعادل 150% من قيمة التجارة العالمية، مما أدى إلى تراجع الصادرات بنسبة 20% في سنغافورة و35% في اليابان و41% في الدول الأمريكية و42% في مجموعة الدول النامية.
في قمة بيتسبرغ السابقة اتجهت الأنظار إلى الدول المتقدمة التي استباحت بأنظمتها المالية أحكام العولمة الاقتصادية، وأخلّت بشروط التكافؤ في الفرص بين الحقوق والواجبات، وتمادت باستخدام الأساليب الحمائية المشوهة للتجارة. هذه الدول لم تلتزم بأحكام العولمة لتنظيم قواعد المقايضة المالية والتمويلية ومراقبة أحكام الرهن العقاري وتقنين القروض التمويلية وتقليص ديونها قبل أن تستشري الفوضى في أسواقها المالية.
في قمة تورونتو الحالية اتجهت الأنظار إلى الدول الغنية التي أشاعت الفوضى الخلاّقة من خلال تصرفاتها واستباحت مبادئ الحرية الاقتصادية على حساب العدالة في تحرير الأسواق التجارية.
بالأمس أفلست كل من آيسلندا واليونان، واليوم تلحق اليابان بركابهما. إفلاس اليونان لم يكن مفاجأة للعالم، بل كان نتيجة حتمية لمستوى الكساد الاقتصادي الذي أصاب دول الكفاءة الإنتاجية المتدنية. قبل 10 أعوام تصدرت اليونان المركز الرابع بين أقل الدول استخداما للعمالة الوطنية وأكثرها شغفا بالأعياد السنوية والإجازات المرضية والمناسبات الاجتماعية. في منظمة التجارة العالمية كانت صادرات اليونان تترنح بين اقتصاد محلي يعتمد على بيع أشعة الشمس ونقاوة مياه البحر على السائحين، وتجارة خارجية تنحصر في شراء الكماليات عن طريق الاقتراض بالأجل البعيد المريح.
تواجه اليونان اليوم أسوأ حقبة في تاريخها المعاصر. فاقت ديونها 125% قيمة ناتجها المحلي الإجمالي، وانحسرت تجارتها العالمية بنسبة 66% عما كانت عليه في العام المنصرم، وانخفضت تنافسيتها النسبية إلى أدنى مستوى في الدول الأوروبية. بعد 6 سنوات من انضمامها للعملة الأوروبية جاءت النتائج المؤلمة، ليفاجأ العالم بأن 80% من ديون اليونان كانت بالعملة الأوروبية بسبب تردي مستوى عملتها الوطنية.
أما اليابان فلقد فاقت ديونها 200% قيمة ناتجها المحلي الإجمالي، وبدأ اقتصادها يترنح تحت وطأة هذه الديون لعجزها عن الوفاء بمستحقاتها المطلوبة. كانت اليابان التي تعتمد في تصنيع منتجاتها على 86% من المواد الأولية المستوردة، وكانت أول من أبدع في استغلال مزاياها النسبية لغزو الأسواق وتحقيق أفضل العوائد على منتجاتها. وعكفت اليابان على تطوير صناعاتها بطرق ديناميكية لمنافسة غريمتها أمريكا في الأسواق العالمية، واحتلت اليابان المركز الرابع لأكبر اقتصاد في العالم.
السباق المحموم في التجارة العالمية بين الدول الغنية المتقدمة وصل إلى نهايته دون نتائج إيجابية تذكر، وأصبحت الدول النامية بقيادة الصين والهند والبرازيل المستفيد الأكبر من هذه النتائج.
السعودية اليوم تملك أفضل الفرص للوصول إلى مصاف الاقتصاديات الطموحة والمتنامية، وإن نجحنا في اختيار شركائنا الاستراتيجيين بأسرع وقت فإننا سوف نقطف ثمار نجاح الشريك الفائز، لنبدأ بسهولة مسيرة الألف ميل نحو العالم الأول.
علينا أن نبرم فورا اتفاقات التجارة الحرة مع الصين والهند والبرازيل، لنفتح أسواقها أمام منتجاتنا ونمنحها حق الاستثمار في مدننا الاقتصادية ومرافقنا الصناعية. وعلينا أن نتجه فورا لشراء الأصول التقنية في الشركات الأوروبية واليابانية الرخيصة لتوطينها في دولنا الخليجية وتطويرها لصالح أجيالنا المستقبلية.
مشاركتنا في مجموعة العشرين تمنحنا القدرة على اختيار شركائنا ورفاقنا.