بعد تجاوز مرحلة الاستعمار وما تلاها من حكومات علمانية معادية للدين، وما واكبها من حركات كانت تجابه تلك الفترة؛ نجد أن عددا من التيارات الدينية لا تزال تعيش تلك الفترة ولم يتغير فكرُها
عانت أوروبا في القرون الوسطى عصور الظلام من سيطرة رجال الكنيسة، وكيف أنهم كانوا يسومون الناس أسوأ أنواع الاستبداد باسم الإله، وكانوا أكبر عَقبة أمام أي إصلاح أو تطور سياسي أو حتى علمي! إلى أن جاءت حركات الإصلاح، وعلى رأسها حركة مارتن لوثر Martin Luther 1483- 1546م التجديدية، ونشأت بعدها الحركة البروتستانتية التي انتشرت كثيرا في أوروبا وأميركا، وكان من أهم ما دعا إليه هو إيقاف احتكار تفسير الإنجيل من خلال رجال الدين، وقام بترجمة الإنجيل إلى الألمانية ودعا إلى العمل نفسه لبقية اللغات القومية لأجل تسهيل وصول عامة الناس إلى الكتاب المقدس بشكل مباشر. كما دعا لإخضاع رجال الدين للسلطة المدنية الحاكمة، بمعنى خضوعهم للمساءلة والقانون، بالإضافة إلى أنه قام بالزواج من راهبة تُدعى كاثرين Katharina von Bora وهو العمل المحرم بالنسبة لرجال الدين لدى الكاثوليك! بعد ذلك؛ كانت هذه الحركة هي التي فتحت الباب لنشوء العلمانية في أوروبا وفصل الدين عن الدولة. لكن هل نحتاج نحن المسلمين إلى مثل هذا النوع من الفصل بين الدين والسياسة؟
الحقيقة أن الجواب على هذا السؤال يحتاج إلى مساحة أكبر، إلا أنه يمكن اختصار القول بأن الأمر فيه شِقّان؛ أولهما، وهو أمرٌ مُحكم لا يقبل التأويل ولا التغيير في الإسلام، ألا وهو أن الحُكم لله تعالى، ويجب تطبيق شرعه في كل شيء، كما قال تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هو الكافرون. وهذا من حيث الجملة لا اختلاف فيه، ولكن الإشكال هو في تعريف الشريعة هنا، ما هي؟ فإذا استثنينا كُلّيات الشريعة ومبادئها العامة التي أجمع العلماء عليها، والتي جاء فيها النصّ بالقطع نقلاً ودلالة، هل فرعيات الفقهاء واجتهاداتهم التي لا يكادون يتفقون على أغلبها هي الشريعة؟ لا أعتقد ذلك، وأرى أن المجال فيها واسع، ويجب ألا يُحمل الناس على تلك الاجتهادات خاصة فيما يتعلق بالديانة والشؤون الشخصية.
الأمر الثاني: وهو الأهم هنا، أن هناك أموراً كثيرة هي في حقيقتها اجتهادية لا علاقة لها بالمُحكمات من الشريعة، وهي ما يسميها بعض الفقهاء المتقدمين سياسة أيضا، بمعنى أنها اجتهادية لا نصّ فيها.
ومثل هذه التصرفات يجب أن يُحمى الدينُ عنها وألا يتم الخلط بين ما هو دين وما هو سياسة. فمن هذا المنطلق أرى أن الفصل بين الديني والسياسي في هذه الجوانب من الواجب شرعا، كما هو واجب من حيث المصلحة والعقل.
وفي الحديث الصحيح عن بريدة: وإذا حاصرتَ أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه.
وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تُنزلهم على حكم الله فلا تُنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا، وبالتأمل في الحديث الشريف؛ نجد بوضوح أن النبي عليه الصلاة والسلام يفصل بين الاجتهادات الشخصية والدين المُحكم، ويريد تنزيه الشريعة عن الاجتهادات الشخصية. وإذا نظرنا لعدد من جوانب السياسة الاقتصادية والأمنية والعسكرية والمالية وغير ذلك فإننا نجد أن جوانب كبيرة منها هي من قبيل السياسة والاجتهاد، ولا يصح أن توصف تلك التصرفات والاجتهادات بأنها الدين.
وفي وقتنا الحاضر، وبعد تجاوز مرحلة الاستعمار وما تلاها من حكومات علمانية معادية للدين في بعض الدول الإسلامية، وما واكبها من حركات كانت تجابه تلك الفترة وما فيها من اعتداء على تراث الأمة وقيمها؛ نجد أن عددا من التيارات الدينية لا تزال تعيش تلك الفترة ولم يتغير فكرُها، كما أن بروز زعامة الفقهاء ورجال الدين وتدخّلهم في السياسة أثّر بلا شك في تأزيم عددٍ من القضايا الاجتهادية، نظرا لتركيبة عقول رجال الدين غالبا وميلها نحو القطع واليقين والحَدِّيَّة في أغلب الأشياء وليس العقل والتفكير، خاصة في الشؤون العامة والسياسة التي يجب أن يكون للناس في متّسع.
وأخشى من استفحال هذا الأمر الذي قد يؤدّي إلى كوارث هائلة تضر الدين والناس معاً.
فالآراء السياسية ليست بالضرورة ديناً، بل غالبا هي اجتهادية وتقبل الخطأ والصواب، وقد يحمي البعضُ آراءَه بهذه الطريقة ويُلبسها لباس الدين، وهو في الحقيقة يحمي أفكاره الشخصية ويريد إضفاء القداسة عليها! وهذا من أخطر الأمور على الدين ووعي المجتمع وتعرّفِه على أخطائه. وبمثل هذه التصرفات يُفتح البابُ على مصراعيه نحو الاستبداد والاستئثار بالأمر دون الناس باسم الدين، ويزيد الاحتقان والاحتراب الثقافي وما قد يجر إليه هذا الوضع من احتراب فعلي لا سمح الله. وإن كنت أتفاءل أحيانا بأن هذه الظاهرة التي نمر بها إنما هي نتيجة التفاعلات السريعة التي تمر بها المنطقة، وأنه بعد وصول عدد من التيارات الدينية إلى الحكم، وممارستها للسياسة الفعلية؛ سيخفف هذا من وطأة هذه الأزمة، وسيجعل الجميع تحت المساءلة، ويخفّ معها الاحتقان.
لا أخفي أن هذا الموضوع من الأمور الشائكة، والتي تحتاج إلى مزيد من البحث والمراجعة، وأنه يجب على كل التيارات التعاونُ والانفتاحُ لتخفيف الاحتقان والاحتراب بين أطياف المجتمع، فالمصلحة في النهاية للجميع، والخسارة على الجميع أيضا. وأسأل الله أن يديم الاستقرار والأمان في بلدنا الغالي.