خرجت علينا اليوم أنواع من الإعجاز القرآني كالإعجاز العلمي والغيبي والتاريخي والتشريعي والرقمي، إلا أنّ هذه الأنواع ثانوية لها علاقة بتطور العقل البشري زمنيا، وهي تتفرع من أصل الإعجاز المتمثل في تركيب لغته الفصيحة وأسلوب منطق بيانه العظيم
هل الغاية تُبرر الوسيلة مهما كانت؟! هذه فلسفة نيكولو مكيافيلي! ونعرف جيدا أثرها في الفلسفة الغربية، وموقف الإسلام منها، فليس كل وسيلة يمكن أن تُستخدم لغاية نبيلة، فلا يمكن أن نسرق بنكا لأجل إطعام الفقراء والمساكين! وإلا عارض ذلك الأخلاق والقيم الدينية والإنسانية، وأشير إلى ما شاهدناه في مقطع كامل للشيخ الدكتور محمد العريفي خلال محاولته إثبات إعجاز أثر القرآن الكريم على غير المسلمين من غير الناطقين بالعربية، والجميع يعرف تفاصيل المقطع الذي سمعنا فيه ضحكات الجمهور، فقد ألف سورة التفاح ليُقارن بين أثرها ككلام بشري وأثر كلام الله سبحانه وتعالى عن أي مقارنة، على غير الناطقين بالعربية، وبصدق شديد، لا أشكك أبدا في الغاية النبيلة التي أرادها العريفي، إلا أننا جميعا كبشر معرضون للصواب والخطأ إلا الأنبياء عليهم السلام، واجتهاده في اتباع هذه الوسيلة والطريقة في وجهة نظري كان خطأ كبيرا من شخص بمكانته العلمية، وأثرها بالغ في ظلّ شهرته الإعلامية الدعوية، إذ يفتح باجتهاده هذا أبوابا لضعاف النفوس أبلغها خطورة التجرؤ على القرآن الكريم بتأليف سور بشرية لأهداف قد تضر بمكانته وتلبس على الناس ما يؤمنون به! وإن لم يحصل الآن فمع تقادم الزمن، خاصة وأنه خلال التاريخ الإسلامي الطويل لم أقرأ أو أسمع أن قام بذلك أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا التابعون ولا غيرهم خلال نشر الدعوة أو فتوحاتهم مع غير العرب، بل إن الرسول الأعظم منع أصحابه من تدوين حديثه النبوي الشريف خوفا من أن يُلبس أو يُقارن بينه وبين القرآن العظيم.
وأستغرب كيف يفوت على أكاديمي شرعي أن أصل الإعجاز القرآني يتمثل في حكمة لغته ومنطق بلاغته وإبداع بيانه في سياقه العربي الفصيح، وهو ما لا يُدركه الكثير من أفهام الناس، وصحيح أنه خرج علينا اليوم أنواع من الإعجاز القرآني كالإعجاز العلمي والغيبي والتاريخي والتشريعي والرقمي، إلا أنّ هذه الأنواع ثانوية لها علاقة بتطور العقل البشري زمنيا، وهي تتفرع من أصل الإعجاز المتمثل في تركيب لغته الفصيحة وأسلوب منطق بيانه العظيم، ويبدو أن الدكتور العريفي أراد أن يضيف الإعجاز التلاوي أو الصوتي لكنه في رأيي لم يوفق، فحين يقوم بهذه المهمة قارئ بصوت رديء أو لا يُجيد تجويد التلاوة فإن الأثر لن يتحقق بالشكل المطلوب، وهذا يضرّ بإعجاز القرآن الكريم الحقيقي! وربما كان اجتهاده قياسا على موقف الوليد بن المغيرة الذي سمع قراءة الرسول الأعظم للقرآن فانطلق لقومه يقول عباراته الشهيرة إنه ليس بكلام بشر حتى قال وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه!
والعبارة تُوضح جيدا أن الوليد تأثر بالقرآن حين فهم بيانه وفصاحته فأعجزه وهو من فصحاء العرب، ولم يكن متأثرا فقط بأثره الصوتي كما يُفهم بشكل سطحي من سياق القصة، فالصوت دون فهم لن يؤدي الغرض من الإعجاز الحقيقي، وإن كنتُ لا أنفي أبدا أثره الصوتي الذي يضيف على النفس السكينة والخشوع، وقد يستشهد بعضهم بقوله تعالىلو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله لكن الآية الكريمة جاءت لضرب الأمثال للذين كذبوا بالقرآن، والخطاب توبيخ هنا، فلو أن هذا الجبل الصلب الجامد كلّفه الله تعالى بالقرآن الكريم لبات خاشعا متصدعا من خشية الله لما فيه من إعجاز بياني عظيم وليس مجرد أثر صوتي، لكن هؤلاء الذين يكذبون به يملكون عقولا ولا يتفكرون فكان الجبل أفضل منهم.
أما قصة نفر من الجن والمذكورة في سورة الجن فحين استمعوا للرسول الأعظم :فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ فكان ذلك التعجب مما بلغه من فصاحة وبيان أدركوها فهما فاهتدوا به إلى الرشد، وهو ما لا يدركه غير الناطقين باللغة العربية إلا بعد دراستها لفهمها، وإلا لماذا لم يترجم المسلمون الأوائل القرآن الكريم إلى لغة الأعاجم؟! وقد اشتغلوا بالترجمة وتوسعوا فيها منذ العصر الأموي، لكنهم حظوا بتعلم اللغة العربية الفصيحة وبيانها كي يُدرك الأعاجم أسرار وحلاوة الإعجاز القرآني في بيانه العربي، وما كتاب سيبويه في النحو وقواعده إلا ليسهل على الأعاجم تعلمه، ثم خرجت بعده علوم البلاغة واللغة خدمة لهذا الهدف، وما أتمناه من الدكتور العريفي هو مراجعة نفسه في ذلك، ففتح هذا الباب لن يأتي بخير أبدا، وقد راجع نفسه مؤخرا واعتذر عن خطئه الجلل في تجاوزه حدود الأدب بالحديث عن مقام قرة عيني النبي عليه أفضل الصلاة والسلام في مسألة الخمر التي عرفناها، والاعتراف بالخطأ فضيلة، تزيد من العالم وقارا، ويكفيه أن يتأمل أن الإعجاز لا يكون إن لم يُدركه الكل، وإلا انتفى، وهذه النظرية تنجح إذا ارتبطت بحلاوة صوت القارئ وإجادة التلاوة، فماذا لو غير ذلك؟! ألن ينفي إعجازه؟!
أخيرا، أستغرب أمرين، الأول: سكوت العلماء عن ذلك تأييدا أو رفضا لنظرية العريفي، والأمر الآخر تسمية العريفي سورته بـالتفاح! فهل أراد أن يضيف للتاريخ تفاحة رابعة بجانب ثلاث تفاحات، تفاحة آدم، وتفاحة نيوتن، وتفاحة ستيف جوبنز الأخيرة؟!