تحرص الدول المتقدمة على الفوز بالبطولات، لكنها قبل ذلك تهتم بصحة المواطنين وبأن يصبح الشعب نفسه القاعدة التي سيبرز منها المتميزون الذين ينافسون على البطولات

حل الصيف وحلت معه البطولات الرياضية بأنواعها. فهناك كأس العالم لكرة القدم والتي يلهب مشاعر الملايين عبر القارات حتى وإن لم تكن فرقهم الوطنية مشاركة فيها، فحب المجنونة عشق لا يرويه سوى اللعب الجميل بغض النظر عن جنسية أصحاب الأقدام الذهبية، ويزداد الأمر جنوناً حين يحمل فريق ما ألوان علم بلادك. وبعيداً عن كرة القدم هناك بطولة ويمبلدون العالمية للتنس والتي تقام على الملعب العملاق في لندن. كما ستبدأ قريباً بطولة فرنسا للدراجات تور دي فرانس، وبطولة بي جي إيه للغولف، وبطولات أخرى للرجبي والجري والسباحة والتجديف وغيرها. ومع ذلك أكاد أجزم أن الغالبية الساحقة في بلادنا لن تعرف سوى عن بطولة كرة القدم.
فلقد ركزنا على لعبة واحدة ورياضة واحدة فقط، مع أن طبيعة بلادنا وبيئتها تسمحان لنا بأن نمارس رياضات مختلفة، فلدينا بحار وجبال وصحارى ومساحات شاسعة وجو مستقر لا تعكره الرياح والأمطار معظم أوقات السنة، ودع عنك صيفنا الملتهب، فباستطاعتنا استغلال بقية أوقات السنة وخصوصاً فصل الشتاء. ولأن فطرة الله في الكون والناس أن لا يبدعوا جميعاً في أمر واحد، فأين بلادنا من اكتشاف هذه المواهب الضائعة؟
وحتى حين ركزنا على كرة القدم يا ليتنا تمكنا من تحقيق نتائج نستطيع الاحتفاء بها، فبعيداً عن بطولات آسيا في الثمانينات والوصول إلى كأس العالم في 1994 وتمثيلنا الجيد آنذاك، فيبدو أننا توقفنا عند هذه النقطة. وقبل أن يتحدث أحد عن الأعذار والظروف وفارق الخبرة، نقول لهم شاهدوا منتخبات اليابان وكوريا الجنوبية وغانا والكاميرون والولايات المتحدة وحتى نيوزيلاندا وأستراليا، وهي دول تعد كرة القدم في بعضها اللعبة الثالثة أو الرابعة في الأهمية في البلاد، ومعظمهم بدأوا مشوارهم معنا أو بعدنا. فنادي الوحدة المكّي ونادي الاتحاد الجداوي قد تأسسا ولعبا مباريات كروية حتى قبل توحيد البلاد في وقت لم تكن بعض الدول آنفة الذكر قد نالت استقلالها، بل وقبل الحرب العالمية الثانية التي سُحقت فيها اليابان بالقنابل الذرية وتحولت إلى ركام! هذا ليس مقالاً عن المنتخب السعودي، ولكن أكاد أجزم أنه لا يوجد سعوديٌ أو سعودية ممن يتابعون هذه البطولة لا ينالهم شيءٌ من الحسرة والإحساس بالخذلان كلما تألقت فرق جديدة في هذه البطولة.. خاصة من جيل الثمانينات الذي حفظ عن ظهر قلب (جاكم الإعصار..)!
كنت أجلس في مطعم قبالة أحد المحلات التي تبيع ملابس وعدة الرياضيين في ضاحية ويمبلدون وأمامي صورة ضخمة لنجم التنس البريطاني الشاب آندي موراي (23 عاماً)، وأتابع في الوقت نفسه هذه الجموع التي تصطف بالمئات لفترة قد تصل إلى ثمان أو عشر ساعات للحصول على تذكرة لمشاهدته أو حتى للدخول إلى أرضية الملعب، فتساءلت بحسرة: لماذا لم يحرص أهلي على تعليمي رياضة ما منذ الصغر؟ لقد كنت سريعة وأحب الجري، وبنيتي كانت ستسمح لي بأن أبدع في كرة السلة، والتنس أو الاسكواش وركوب الخيل أيضاً، رياضات كان يمكن أن أتعلمها.
فليس حلمي أن أصبح محترفة وأشارك في بطولات عالمية، ولكن يكفي أن جسمي وبالتالي عقلي سيكونان أكثر صحة ونشاطاً، وسيكون عندي استغلال أمثل لوقتي وإقبال أكثر على الحياة.
ثم عدت وشعرت بالامتنان لعائلتي، فوالدي - أطال الله بقاءه - قد علمني ركوب الدراجة والسباحة، وحين كنا نعيش في أماكن يوفر نشاطات للأطفال أوالمراهقين، فإنه لم يكن يتردد في إرسالنا لها. لكن ماذا يفعل الأهالي حين لا يكون ذلك متوفراً للأولاد في مدنهم ناهيك عن البنات؟
فالبنات والرياضة قضية من الخطورة بمكان بحيث إن مجلس الشورى الموقر يحتاج إلى مناقشتها في جلساته ليقرر هل يلعبن الرياضة في مدارسهن أم لا؟ مع أن الجواب لن يفرق كثيراً، لأن هذه المدارس غير مهيأة أصلاً لا للدراسة ولا الرياضة، وبالتالي فحتى لو أقر هذا الأمر فسيكون قراراً معطلاً مثل الكثير من القرارات الورقية الأخرى.
تحرص الدول المتقدمة على الفوز بالبطولات، لكنها قبل ذلك تهتم بصحة المواطنين وبأن يصبح الشعب نفسه القاعدة التي سيبرز منها المتميزون الذين ينافسون على البطولات. ولذلك هناك اهتمام بالرياضة في المدارس، وفي كل منطقة وحي وناد رياضي تتوفر فيه معظم التجهيزات الرياضية بأسعار رمزية، بل تحاول إدارة النادي تطويع قوانينه لتناسب مجتمع اليوم المتعدد الثقافات. ففي بريطانيا يتم تخصيص أيام سباحة للنساء فقط، حتى تتمكن النساء المسلمات من السباحة. فهن جزء من المجتمع ولا يحق التمييز ضدهن في منشآت حكومية بسبب خصوصيتهن الدينية، رغم معارضة بعض المتطرفين أو أولئك الذين يعتقدون بأن على المرء ألا ينصهر في ثقافة المجتمع الجديد.
وهناك أيضاً محاولة نشر ثقافة الأكل الصحي، فظهر شعار خمسة في اليوم والذي يتكرر في الإعلام وتجده مكتوباً على المنتجات الغذائية، لتحث على تناول خمسة أنواع مختلفة يومياً من الفاكهة والخضروات من أجل ضمان نظام غذائي صحي.
بل وتستخدم الرياضة كوسيلة لعمل الخير، فتقام عشرات الماراثونات الخيرية دعما لجمعيات أبحاث السرطان وأمراض القلب والزهايمر والأطفال الفقراء وغيرها.
حينما نتحدث عن الاستثمار في الإنسان فإن ذلك ولا شك يشمل الاستثمار في صحته ونشاطه، ولا يعني ذلك بناء المستشفيات الحديثة فقط وتوفير الغذاء والدواء، وإنما مساعدة هذا الإنسان للحفاظ على صحته وحيويته بحيث لا يحتاج -بإذن الله- للمشفى والدواء من الأساس..ودرهم وقاية خير من قنطار علاج.