أفلاطون حاضر اليوم بقوة، صحيح أن أغلب تفاصيل فلسفته أصبحت ضمن التراث الفلسفي، ولكن نسقه
بحسب هايدجر فإن خطبا ما حصل مع أفلاطون، حدث هذا الخطب على شكل خلط وقعت فيه الميتافيزيقا بين كيفية وجود الموجودات (الوجود) والمتواجد (الموجود) مما أدى إلى حدوث تحول جذري في تحديد جوهر الحقيقة. حيث تحولت من كونها الانكشاف والتجلي واللا تستر في الأشياء إلى كونها مجموعة من المقولات والمثل في العقل، أي أن تكون الحقيقة هي مطابقة ما في العيان لما في الأذهان. لقد تحولت الحقيقة منذ اللحظة الأفلاطونية من (الأشياء) إلى (جمجمة الإنسان). من هنا بدأ تاريخ أنسنة المعرفة. يقول هايدجر: أصبحت الحقيقة بسبب منح الصدارة للنظر والفكر على الكشف والتجلي (الإليثيا)، أصبحت تعني (دقة النظر) ولم تعد الحقيقة هي ظهور (الشيء) بل ظهور (البداهة).
كان أفلاطون البداية وترسّخت العملية بعده أكثر، يقول أرسطو لتعريف الحقيقة: لا يكمن الخطأ والصواب في الأشياء ذاتها.. بل في العقل، ويقول توما الأكويني توجد الحقيقة بالضبط في العقل الإنساني أو الإلهي ويأتي ديكارت في ذات السياق: لا يمكن للحقيقة والخطأ بمعناهما الأصلي أن يوجدا في مكان آخر غير العقل وحده. ولا يفلت نيتشه الثائر من هذا السياق ولو بمفهوم الضد: الحقيقة هي هذا النوع من الخطأ الذي لا يمكن من دونه لنمط معيّن من الكائنات الحية أن تعيش.. هنا نيتشه، بحسب هايدجر، لا يفهم الحقيقة إلا بكونها خاصيّة للفكر.. أيضا نسق الحقيقة الأفلاطونية أسس للفكر العلمي للعصر الحديث باعتبار أن هناك حقيقة شاملة قادرة على تفسير كل شيء، بل تدسّ كل شيء في داخلها، نتحدث هنا بتأثير من هوسرل الذي يحلل أزمة العلوم الأوروبية بقوله: ينبغي أن نؤكد هنا أن فكرة الفلسفة التي وصلتنا من القدماء ليست هي المفهوم المدرسي المألوف لدينا الذي لا يضم سوى مجموعة من الفروع المعرفية، أكيد أن التحول الذي عرفته مباشرة بعد تبنيها لم يكن غير جوهري، لكنها احتفظت صوريا في القرون الأولى للعصر الحديث بمعنى العلم الشامل الكلي...
كانت عملية ترييض الكون، عملية تشبه صوريا ما قام به أفلاطون من وضع الحقيقة في مثال. هنا أصبح الكون كله في منهج رياضي، والمشكلة الكبيرة تكمن، كما يرى هوسرل، في أن المنهج تحول إلى واقع، أي حل محل الطبيعة، بل أن الواقع أصبح يدسّ داخل المنهج حتى اختفى فعليا الواقع المحسوس والتجربة المباشرة. إذن أفلاطون حاضر اليوم بقوة، صحيح أن أغلب تفاصيل فلسفته أصبحت من ضمن التراث الفلسفي ولكن نسقه في تصور الحقيقة لا يزال ساريا حتى الآن، ولا يواجهه ويحاول أن يخترقه حتى الآن سوى العقل الشكي في تطوره الحديث، الذي أصبح يرفض المعرفة ذات الطابع الشمولي المغلق الذي يحيط بكل شيء ولا يسمح لأحد بالإفلات، ومن أفلت فهو مرفوض، خارج نطاق المعرفة المعتبرة.
في الجمهورية تغيب حرية الفرد تماما، فهناك نظام صارم هو من يخضع الأفراد للتصنيف والتقييم ويحدد موقعهم من طبقات المجتمع ويحدد أعمالهم ومجال اشتغالهم. صحيح أن نظام الطبقات عند أفلاطون ليس عنصريا عرقيا أو مذهبيا، وهو نظام مفتوح قائم على التصنيف حسب القدرات والإمكانات، إلا أنه يبقى نظاما جبريا تتوارى فيه حرية الفرد في توجيه مصيره. نتحدث عن أفلاطون وهو معاصر للفكر والتجارب الديمقراطية في أثينا، نتحدث عن فيلسوف يعيش في جوّ من الحريات العالية في عصره، ولكن رغبته في ضبط فوضى الديمقراطية جعلته يلغيها بالكامل. ولنمعن في إجراء هذه المقارنة التي أوردها بوبر في كتابه (المجتمع المفتوح وأعداؤه): يقول برقليس، عاش قبل أفلاطون بثمانين سنة: على الرغم من أن القليل فقط هو الذي يمكن أن ينشئ السياسة، إلا أننا جميعا لقادرون على الحكم عليها.. وبعد ثمانين سنة يقول أفلاطون: (إن المبدأ الأعظم بالنسبة إلى الجميع هو أن أي شخص، سواء كان ذكرا أم أنثى، لا ينبغي عليه أن يحيا بلا قائد. ولا ينبغي لعقل أي شخص أن يعوّده على فعل أي شيء على الإطلاق بمبادرته الخاصة، لا على سبيل الحماسة، ولا على سبيل اللعب. ولكن في أوار الحرب، وفي غمرة السلم، عليه أن يوجّه ناظريه لقائده وأن يتبعه بإخلاص.. وفي مثال الكهف وفي حال الأفراد المقيدين ووجوههم إلى باطن الكهف، لا يعرفون إلا ظلال الأشياء، نجد أن عملية تحركهم وفكاكهم من القيود (معراج الروح في العالم العقلي تتم جبرا عليهم، وكأن قدرة غريبة هي التي تحركهم. ويمكن القول إنه على طول التغيرات التي تجري لرجال الكهف لا نعثر على فعل إرادي، فهم دائما وأنا هنا أقتبس من المحاورة يُعتقون من قيودهم، يُشفون من أخطائهم، أُجبر أن يقف ويدير رقبته، يُسحب بتثاقل، إجبار أفضل العقول..).
أعيد التذكير بأننا نتحدث في فضاء ثقافة عرفت الحرية الفردية وحرية الفكر ومارستها بشكل كبير ومنظم. لقد بدأ أفلاطون بعظمة تفكيره خطا طويلا من تاريخ المعرفة البشرية، نزعم أنه لم يكن موجودا بهذا الشكل في السياق الفلسفي على الأقل. هذا الخط هو خط المعرفة البشرية حتى الآن، وهو خط ندين له بكل ما لدينا، ولكن هذا لا يعني عدم مساءلته، من أجل تجاوزه والخروج عليه. لا يزال أفلاطون حاضرا بقوة في الفكر الفلسفي حتى الآن، ومن هنا تأتي ضرورة نقد هذا الحضور الذي هو من العمق لدرجة أنه يمثل أساس المعرفة التي سادت عبر التاريخ.. يجب أن تذكر باستمرار أن معرفة الإنسان قد تكون هي أكبر مشكلاته، وبالتالي فإن الاطمئنان لمعرفة ما أمر ليس من الحكمة في شيء..