تجديد الفقه لا يعني التنكر للنصوص الشرعية أو تأويلها بما يخرجها عن مسارها، وإنما بفهمها من خلال معناها الحقيقي، وغير المتعارض مع النصوص القطعية والأصول الكلية للإسلام
كلما خرجت لنا فتوى غريبة؛ تدافع الناس في استنكارها أو الرد عليها ومناقشتها. وكم رأينا من آراء فقهية ربما لو ذكرناها الآن لضحكنا منها ومن فهمها للواقعة والنص! فمَن يقرأ ما كُتب مثلا في إنكار كُروية الأرض أو الوصول إلى القمر في فترة ماضية؛ يجد العجب العجاب في تفسير الآيات وتطويعها للفهم الخاطئ للنص والواقعة! وهكذا عدد من الاجتهادات التي توالت مع الانفتاح الحضاري الذي جاء غريبا من خارج المنطقة، ولكن للأسف ما زال البعض يكابر وينكر الحاجة إلى تجديد المدرسة الفقهية لدينا!
والتجديد للفقه لا يعني التنكّر للنصوص الشرعية أو تأويلها بما يخرجها عن مسارها، وإنما بفهمِها من خلال معناها الحقيقي، وغير المتعارض مع النصوص القطعية والأصول الكلية للإسلام. ولا الانتقاص إلى إرثنا الفقهي الثري والعميق، إنما بالترشيد إلى الطريقة الصحيحة للاستفادة منه، خاصة في هذه الأيام التي أصبح العالم فيها كقرية واحدة، واحتاج الناس مع هذا الوضع إلى التيسير عليهم والرجوع إلى الواجبات الأساسية دون التشديد عليهم. فمن قواعد الإسلام الكلية أن المشقة تجلب التيسير وأن الضرورات تبيح المحظورات (بشروط وضوابط معروفة).. وهكذا.
كما أن بعض الفقهاء المعاصرين يُغرِقون في بعض تفريعات وتشقيقات الفقهاء المتقدمين الذين لم يُعايشوا أياً من الظروف المعاصرة، وكان عدد منهم من المقلّدةِ المتعصبة الذين خرجوا عن جادة الصواب بمنهجهم! حتى خرج بعضهم كثيرا عن روح النص إلى آراء الإمام وأقيستِه ووجوهها! وأخذوا يفهمون النصوص بشكل لا روح فيه، وجعلوا مثلا مهرَ الزوجة كعوض البيع والشراء لا فرق! وقد انتقصهم ابن تيمية بأنهم لكثرة التقليد والجهل والظنون في المنتسبين إلى الفقه والفتوى والقضاء؛ استطال عليهم أولئك المتكلمون، حتى أخرجوا الفقه الذي نجد فيه كل العلوم من أصل العلم، لِمَا رأوه من تقليد أصحابه وظنهم. ثم جاء الظاهرية في المقابل بسفسطة استدلالاتهم بالنصوص والالتزام بظواهرها بلا عقل وقياس ولا فهم!
فلا الشريعة هذا ولا هذا، ومن الظلم للشريعة أن تُسمى تلك الفرعيات التي اجتهد إليها الفقهاءُ شريعةً، حتى ولو كان مذهبَ جمهور العلماء! بل هي آراؤهم واجتهاداتهم، والشريعة منزّهة عن ذلك. ففرعيات الفقه لا تُسمى شرعا، إنما هي اجتهاد، وربما لا تُحصي أقوالُ وأوجه المذهب الفقهي الواحد في تلك المسألة، فضلا عن أقوال المذاهب والعلماء الآخرين مجتمعين، وفضلا عن أن تجد فيها نصاً ظاهرا. فطالما لم يوجد النص الدالّ على الواقعة بالقطع نقلا ودلالة، كصحة نقل تحريم الخمر والربا وقطعية دلالتهما، وإجماع العلماء على ذلك؛ فإن الاجتهاد لا يُسمى شريعة، ويجب أن تتسع صدورنا للخلاف فيه.
وبمراجعة مسار بعض الاجتهادات الفقهية في التاريخ المعاصر، خاصة في منطقتنا، فإننا نجد في بعضها التذبذب الشديد في فهم الوقائع وتحديد مسار الاجتهاد فيها. وكثيرا ما تبدأ بالتحريم الشديد ثم تتذبذب وتتراجع إلى الإباحة تدريجيا تحت ضغط الوعي لدى الناس وفرض الواقع.
وبالنظر إلى مسبِّبات تلك الاجتهادات غير الصائبة بنظري؛ نجد أن الدافع وراء هذا الاتجاه غالبا ما يدور على مسببات معينة، تدور في ذهن أصحابها حول غالب المستجدات المعاصرة، ومن أهم تلك المسببات ما يلي:
1- التسرع في الاجتهاد قبل استيعاب المستجد كما هو، ومن مختصين مستقلين، ففي المثال المذكور أعلاه؛ حول كروية الأرض مثلا، كان بالإمكان الاستعانة بأي متعلم تعليما حديثا أن يجيب بقطعية هذه النتيجة من خلال العلم التجريبي! ولكن أولئك (وهم مجتهدون عفا الله عنهم) نظروا للموضوع وكأنه جاء في مسألة قطعية لا نقاش فيها! وهنا تكمن أزمة أخرى. ولك أن ترى كيف تعيق مثل هذه الفتوى مسار العلم والبحث التجريبي!
2- ومن المسببات؛ الخوف من كل جديد غريب. فبدءاً من تحريم المطبعة؛ ونحن لا يكاد يدخل علينا جديد إلا وتخرج بعض الاجتهادات الشاذة هنا أو هناك لتُحرج المسلمين. وهذا بلا شك يعكس حالة التخلف المعرفي والعلمي الذي يعيشه المسلمون، حيث لسنا سوى مستهلكين ومستقبلين لما ينتجه الآخرون.
3- ومن المسببات؛ المبالغة في سد الذرائع، وهذا من أكبر المشاكل التي نعاني منها بنظري، حيث بالتوسع في هذا الأصل (الذي اختلف فيه الأصوليون أصلا) يُمكن تحريم كل شيء. وأضحى كل من أراد شهرةً ونَزَعَ إلى التشدد يخرج بآراء متشددة، ولك أن تتخيل القطيع الذي يركض وراءه جهلا وتقليدا وللأسف.
4- المبالغة في الحماية من التقليد للغير والمتابعة له. نعم، نحن لنا ثقافتنا وديننا وحضارتنا المتميزة، ويجب حمايتها بشتى الطرق، ولكن ليس بالتكلّف والتشديد على الناس.
5- محاربة الاجتهاد الفعلي والتضييق على المجتهدين، وكم أعرف من علماء مشهود لهم بالعلم والصلاح، إلا أنهم يخشون تسلط لسان ذلك الجاهل المتشدد فيُمسكون عن رأيهم! وهذا بنظري من ضعف التجرد للحق وتردّي البيئة العلمية والبحثية لدينا.
ختاما؛ إن تكرار هذه الأخطاء يوجب على المجتهدين والفقهاء المراجعة لطريقة التفكير والتعامل السليم مع المستجدات، وأن يُعاد النظر في مدارسنا الفقهية وآلية تعاطيها مع المستجدات، والسعي لرفع مستوى الحرية والتجرد في البحث، مع التوقف عن تأزيم القضايا الخلافية وضرورة رفع سقف الخلاف بين الفُرقاء.