دعاوى إيران المتعلقة بالجزر الإماراتية الثلاث، والخطاب الرسمي المتعلق بهيمنة النفوذ الإيراني والثقافة الفارسية تؤثر سلبا على مستقبل العلاقات بين ضفتي الخليج، وتدعم القوميين المتشددين في إيران
كيف استعدّت الحكومة الإيرانية لمؤتمر إسطنبول الذي عُقد يوم السبت لمناقشة برنامجها النووي؟ وكيف أظهرت حُسن نواياها تجاه جيرانها، ورغبتها في الدخول في حوار جادّ مع المجتمع الدولي؟ وأخيرا، كيف أبرزت مهاراتها الدبلوماسية حين كانت تحت المجهر وعيون العالم مركزة عليها تراقب كل خطوة تتخذها؟
كما نعلم عُقد اجتماع إسطنبول يوم السبت 14 أبريل 2012. وكان من المتوقع، لمصلحة إيران نفسها، أن تسعى لتخفيف الضغط عليها في ذلك الاجتماع عن طريق التهدئة، إن لم نقل نزع فتيل التوتّر في المنطقة، وتحسين صورتها الإقليمية والدولية. ولكن بدلاً من ذلك، رأينا الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد يوم الأربعاء (11 أبريل) يقوم بزيارة مفاجئة لجزيرة أبو موسى الإماراتية المحتلة منذ عام 1971 هي وجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى. كانت الزيارة مفاجئة، فهي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني إلى الجزيرة، ولم تكن زيارة هادئة، بل صحبها صخب إعلامي رسمي وخطاب مغرق في المغازي القومية الفارسية.
وردا على زيارة الرئيس الإيراني للجزيرة، أصدرت الإمارات العربية المتحدة بيانا أدانت فيه الزيارة كانتهاك صارخ لسيادتها. واعتبر وزير خارجيتها الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان الزيارة نقضا لكل الجهود والمحاولات التي تبذل لإيجاد تسوية سلمية لإنهاء الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية الثلاث عبر المفاوضات المباشرة أو اللجوء لمحكمة العدل الدولية. واستهجن الوزير توقيت هذه الزيارة كونها تأتي في وقت اتفقت فيه الدولتان على بذل جهود مشتركة لطي هذه الصفحة من خلال التوصل إلى حل لهذه القضية وفي الوقت الذي التزمت فيه دولة الإمارات بما تم الاتفاق عليه بين الدولتين رغبة منها في تهيئة الأجواء للتوصل إلى حل يعزز الاستقرار في المنطقة مما يجعل منها خرقا واضحا وصريحا لهذا الاتفاق.
فهل كانت هذه الزيارة خطأ دبلوماسيا غير محسوب العواقب أم جزءا من سياسة مقصودة؟ وهل كانت موجهة للاستهلاك المحلي لتغطية أي تنازلات في المفاوضات النووية، أم أنها موجهة للعالم الخارجي ولجيران إيران القريبين؟
رمزية هذه الزيارة، وهي كما أسلفتُ الأولى من نوعها يقوم بها رئيس إيراني لهذه الجزيرة المحتلة، واضحة، فالرسالة تبدو جلية: إن المحادثات المتعلقة بالبرنامج النووي، في إسطنبول أو سواها، لن تغير من مواقف إيران أو تصرفاتها الإقليمية، بما في ذلك فيما يتعلق بالجزر الإماراتية. وحرصت وسائل الإعلام الرسمية في إيران على أن تنقل هذه الرسالة بوضوح. فنشرت وكالة أنباء (فارس) الرسمية تصريحات جوقة من المسؤولين تؤكد فيها أن ملكية الجزر الثلاث لا تقبل الجدل وأن زيارة الرئيس شأن داخلي.
أما رئيس لجنة السياسة الخارجية والأمن القومي في المجلس النيابي الإيراني فقد كان لا يقل تشددا عن ممثلي الحكومة نفسها، إذ نسبت إليه وكالة أنباء (مهر) قوله إن تملك إيران للجزر الثلاث دائم وغير قابل للتغيير، وليس مطروحا للتفاوض.
أما الرئيس أحمدي نجاد فقد ذهب أبعد من ذلك، حين قال وهو يتحدث من الجزيرة إن الخليج كله فارسي وليست هذه الجزر وحدها، وكأنه يشير إلى رغبة إيران في توسعة مناطق احتلالها، أو على الأقل نفوذها، في الخليج أكثر مما هي عليه، ويريد أن يقول إن إيران هي القوة المهيمنة في الخليج، ويجب أن تبقى كذلك.
والحق أن تصرف إيران عشية محادثات إسطنبول النووية يؤكد التخوف الدائم في الخليج من أن إيران، حتى من دون برنامج نووي، تشكل عنصر عدم استقرار في المنطقة، في ظل الحكم الحالي في إيران. وفي حين أن المجتمع الدولي يبدو مشغولا بالبرنامج النووي، فإنه عادة ما يُقلّل من أهمية دور إيران في زعزعة استقرار المنطقة.
ولكن التحركات الإيرانية الأخيرة تبدو مُقلقة بشكل خاص حينما ننظر إلى اللغة التي استخدمتها إيران لتبرير الزيارة واستمرار احتلالها للجزر الثلاث. فقد نسبت وكالة أنباء (إرنا) الرسمية إلى الرئيس أحمدي نجاد أنه قال من جزيرة أبو موسى إن اسم الخليج الفارسي مشتق من الثقافة والحضارة والرأي العام السائد في المنطقة. فمنذ آلاف السنين كانت الثقافة السائدة في العالم ثقافة وحضارة إيرانيتين. ولذلك فإن اسم هذا الخليج مبني على هذه الثقافة وهذه الأرض. وكأن الرئيس يريد أن ينفي أي ثقافة أخرى في المنطقة، وعلى الأخص الثقافة العربية والإسلامية.
ولا نحتاج أن نقول إن مثل هذا الخطاب يخدم ويشد من عضد القوميين المتشددين في إيران، الذين لا يرغبون على الإطلاق في حوار ثقافي أو تفاوض سياسي بين ضفتي الخليج، وربما فقدوا القدرة على ذلك حين وقعوا أسرى مثل هذا الخطاب الدونكيشوتي.
ولكن الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب ربما كان مؤشرا إلى التصعيد والمواجهة في الخليج، وزيادة مناطق النفوذ، بدلا من التهدئة والتراجع، وناقضاَ بذلك التفاهم الذي أشار إليه بيان وزارة الخارجية في الإمارات العربية المتحدة، للسعى لفتح صفحة جديدة في العلاقات بينهما والعمل على التوصل إلى حل لموضوع الجزر، وتهيئة الأجواء للتوصل إلى حل يعزز الاستقرار في المنطقة.
وربما تؤدي هذه الزيارة، التي تمت على هذا النحو، إلى نكسة حقيقية في الجهود الرامية إلى حل موضوع الجزر والقضايا السياسية الأخرى. والأخطر من ذلك أن اللغة التي استخدمتها طهران ربما تُجهض محاولات رأب الصدع الثقافي بين ضفتي الخليج. ولعلك لاحظتَ أن الساسة الإيرانيين غالبا ما يوظفون الخطاب الإسلامي في توصيف طموحاتهم السياسية في المنطقة وتبرير خلافاتهم مع جيرانهم. أما الخطاب الجديد الذي أشرتُ إليه فإنه قد تخلى عن ذلك وتبنى لغة جديدة تغلب عليها النبرة القومية الشوفينية.
وأظن أنه قد يكون من التفريط أن نصف زيارة جزيرة أبو موسى والخطاب المصاحب لها بأنها دعاية سياسية موجهة للاستهلاك المحلي، أو جعجعة دبلوماسية لتحسين الموقف التفاوضي لإيران في المباحثات النووية. فالأرجح كما يبدو هو أن إيران ترغب في تعزيز دعواها بأنها القوة المسيطرة في المنطقة، وأن على القوى الإقليمية والدولية الأخرى أن تقبل بذلك.
ومهما يكن الأمر في حقيقته، يجب ألا نقلل من أهمية التأثير السلبي لمثل هذه الدعاوى، واللغة القومية المتعالية، فضلا عن التحدي الصارخ لسيادة الإمارات على أراضيها، والتنكر للجهود التي بذلها الجانبان لحل مشكلة الجزر المحتلة، تأثير ذلك كله على مستقبل العلاقات العربية الإيرانية في الخليج وآمال شعوبه في السلام.