'جامعة المبتعثين' من الإنجازات الكبيرة التي يحققها مجتمعنا، لأنها ببساطة تستثمر في الإنسان السعودي، ولأنها تسهم في توطين المؤهلين في مؤسساتنا الحكومية والأهلية
تحسب لوزارة التعليم العالي ضمن جهودها لمجاراة العصر خطوتان هامتان تستحقان الإشادة والتعريف والمناقشة. هاتان الخطوتان هما الجامعة السعودية الإلكترونية وما يمكن تسميته الجامعة الخامسة والعشرين: جامعة المبتعثين، وذلك ضمن برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الذي وصل العدد فيه إلى أكثر من 135 ألف مبتعث من شبابنا وشاباتنا الذين درسوا ويدرسون في مختلف جامعات العالم، والذي بدأت ثماره تقطف كما رأينا في الأعوام السابقة رعاية معالي وزير التعليم العالي ومشاركاته أفراح المتخرجين والمتخرجات وذويهم في احتفالات بهيجة سيعود نفعها على وطننا بإذن الله.
ففيما يخص الجامعة السعودية الإلكترونية، ذلك الوليد الذي سعدنا به، سيضع وطننا في الطريق الصحيح لمجاراة العصر الذي يتحول بخطى سريعة وفي كل مجالاته نحو الرقمية مبتعدا عن كل ما هو تقليدي، بما في ذلك ومن أهمه المجال التعليمي. فمن الحقائق الماثلة للعيان أنه بحلول عام 2020 ستكون نسبة الحضور في الجامعات العالمية 50% لتكون الـ50% الأخرى من نسبة الحضور في فصول افتراضية. بحيث يكون طلاب الجامعة الواحدة الذين يدرسون في تلك الفصول الافتراضية من مدن مختلفة بل ومن دول مختلفة يدرسون نفس المواد ويحصلون على نفس الشهادات. ومن الأخطاء الشائعة والمفاهيم المغلوطة التي يحملها البعض عن الجامعات الإلكترونية أنها تدرس بنظام يشبه نظام الانتساب. وهذا خطأ كبير، فالجامعات الإلكترونية لا تتساوى ولا تقترب من نظام الانتساب المعروف أو التدريس عن بعد. إنها جامعات طلابها تماما مثل الطلاب الذين يدرسون في فصول فعلية. فهي جامعات نظامية، التعليم فيها مثل التعليم النظامي، لكن نمطها جديد، وشهاداتها تُعامل معاملة الشهادات التي يحملها الطلاب المنتظمون.
وكما وضح معالي مدير الجامعة السعودية الإلكترونية الدكتور عبدالله الموسى فإن الجامعة ستقبل في البداية طلابا من ثلاث مناطق، وسيكون 75% من حضور الطلاب إلكترونيا، وبعد خمس سنوات سيكون حضور الطلاب إلكترونيا 100% ويستثنى من ذلك حضور الاختبارات. ويمنح الخريجون شهادات تعامل مثل شهادات المنتظمين بكل المميزات. كما أن الطلاب سيدرسون السنة التحضيرية مثلهم مثل المنتظمين، كما أن حضور الطلاب في الجامعة الإلكترونية سيكون ثلاثة أضعاف الحضور في الجامعات التقليدية. وتخضع الجامعة لمعايير الجودة والاعتماد الأكاديمي تماما مثلها مثل بقية الجامعات. وهي كما يقول موقع الجامعة أسلوب من أساليب التعليم يعتمد في تقديم المحتوى التعليمي وإيصال المهارات والمفاهيم للمتعلم على تقنيات المعلومات والاتصالات ووسائطهما المتعددة بشكل يتيح له التفاعل النشط مع المحتوى والمعلم والزملاء بصورة متزامنة أو غير متزامنة في الوقت والمكان والسرعة التي تناسب ظروف المتعلم وقدرته، وإدارة كافة الفعاليات العلمية التعليمية ومتطلباتها بشكل إلكتروني من خلال الأنظمة الإلكترونية المخصصة لذلك..، ومن مميزات أسلوب هذا النوع من الجامعات أنه يجعل التعليم أكثر مرونة ويساعد على الاتصال والتعاون والمشاركة بين أعضاء الهيئة التدريسية، ويشجع على التعليم التعاوني والعمل الجماعي وعلى ربط جماعات المتعلمين ببعضهم. ويوفر التعليم للأشخاص الذين لا تسمح لهم طبيعة عملهم وظروفهم الخاصة بالالتحاق وتعدد أساليب التدريس لتلائم الفروق الفردية ونوع المتعلم وتحسين مستوى التعليم وتنمية القدرات الفكرية، ويتيح الفرصة الكاملة للمتعلم للمناقشة والحوار حيث إن أدوات الاتصال تتيح لكل متعلم فرصة الإدلاء برأيه في أي وقت ودون حرج. كما أن من مميزات هذه الجامعات أنها يمكن أن توظف أعضاء وعضوات هيئة تدريس يعملون من منازلهم في الوقت الذي يمكن مراقبة عملهم ودواماتهم بكل دقة. والجامعة تقدم برامج البكالوريوس والماجستير بداية وسيكون عدد طلابها بعد عشر سنوات 200 ألف طالب نصفهم من الداخل والنصف الآخر من الخارج، ورسوم الجامعة رمزية لا تتعدى ألفي ريال للفصل الدراسي للبكالوريوس و9 آلاف ريال تقريبا للماجستير.
هذا المشروع الواعد نأمل أن يكون خطوة هامة ضمن خطوات تنقلنا إلى مصاف دول العالم الإلكتروني المتحول بشكل كبير. وهنا نقف لنشد على يد وزارة التعليم العالي والقائمين على هذا المشروع لنقول إن الأجيال القادمة هي أجيال العالم الرقمي، وإن هذه الخطوة الكبيرة هي في الطريق الصحيح لمجاراتهم ومجارة عصرهم الذي يعيشون فيه. وهناك سؤال يتبادر إلى الذهن مما نلحظه من بعض الممارسات في الجامعات من أستاذ لا يحترم ساعات التدريس أو آخر لا يحترم الساعات المكتبية. وكأنني أسمع قارئ هذا المقال يدفعني لطرحه، فقد يقول السائل إن الواقع قد يختلف عن الأدبيات.
هذا ما يتعلق بمشروع الجامعة، أما المشروع النوعي الثاني، برنامج الابتعاث الخارجي، فهذا البرنامج الطموح الذي جاء مواكبا لعصر القرية الكونية الذي نعيشه، يهدف كما جاء في نظامه إلى اختيار الكفاءات السعودية المؤهلة وإرسالها إلى أفضل الجامعات في مختلف دول العالم، والعمل على إيجاد مستوى عال من المعايير الأكاديمية والمهنية، وتبادل الخبرات العلمية والتربوية والثقافية في مختلف دول العالم، وبناء كوادر سعودية مؤهلة ومحترفة في بيئة العمل، ورفع مستوى الاحترافية والمهنية وتطويرها لدى الكوادر السعودية.
ولقد أتاح هذا البرنامج فرصة ذهبية ممنوحة لكل من يجد الكفاءة في نفسه هي الانكشاف على أفضل البرامج في العالم، وسيتيح الفرص لبرامج التنمية كافة في بلادنا لتوطين الكفاءات المتعلمة والمدربة، مما سيكون لهذا التوطين دور كبير للارتقاء بتلك البرامج.. والاستثمار في تأهيل الإنسان وتعليمه وتدريبه هو أفضل استثمار، ولهذا كان إقرار ما قد نسميه جامعة المبتعثين. برنامج خادم الحرمين للابتعاث أو جامعة المبتعثين من الإنجازات الكبيرة التي يحققها مجتمعنا، لأنه ببساطة يستثمر في الإنسان، ولأنه يؤهل الإنسان، ولأنه يوطن المؤهلين في مؤسساتنا الحكومية والأهلية..
أما وقد قلنا ذلك بكل موضوعية وتجرد فإننا أولا ندعو الله للقائمين على هذه البرامج بالتوفيق لمواصلة العمل على مواجهة التحديات والنجاحات.. وثانيا نقول لزملائنا في هذا البرنامج إن هناك ثغرة لا بد من رفعها إلى طاولة التفكير والنقاش، وهي أن في نظام العديد من البرامج، وحتى في الدراسات الاجتماعية؛ ما يتيح للطلاب أثناء دراستهم الجامعية في تلك الجامعات التدريب لمدة فصل أو فصلين في مؤسسات المدن التي يدرسون فيها أو قريبا منها، ليقترن التأهل العلمي بالتدريب العملي، حتى إذا ما تخرج الطالب تكون لديه خبرة عملية في المجال الذي درس فيه. نأمل أن يحظى طلابنا بما يحظى به مواطنو تلك الدول للحصول على هذه الميزة، ليقترن التعليم بالتدريب أثناء الدراسة.