الحكماء هم وحدهم من يحذرون من أنفسهم ويقدمونها للناس، لا لتجذبهم بل لتشاركهم بعض المشاعر وبعض القلق. مع الحكماء تتحول السيرة الذاتية إلى حديث عن الإنسانية، عن الحياة، عما هو مشترك

عشتُ لأروي، مذكرات الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز صاحب مئة عام من العزلة. تلك التي تأتي من كولومبيا للتقاطع مع صورتها النمطية بلد العصابات والمافيا.
هنا تبدو كولومبيا بصورة تحمل كل شيء، تحمل قصص الحب الحالمة في ذات الجو الذي تحمل فيه حرب الألف يوم والحروب الأهلية التي شهدتها كولومبيا في فترة ما بعد الحرب العالمية (الأوروبية كما يسميها ماركيز) مباشرة كتتويج للصراع بين المحافظين والليبراليين وبتصعيد مستمر من اليسار الشيوعي.
لا يبدو ماركيز ذا ميول سياسية لطرف من الأطراف، ولكنه كان دائما منحازا لفعل الرواية والحكي، إنه يروي الأحداث متجاوزا لها ومحتفظا بها في نفس الوقت، ذلك أنه الذي يقول: الحياة ليس ما يعيشه أحدنا، وإنما هي ما يتذكره، وكيف يتذكره ليرويه.
مخيفة هي ذاكرة ماركيز، من أين لها القدرة على الحفاظ على الأحداث والتمسك بها. حساسية الكاتب المفرطة التي لا تنسى هي السبب، ربما ولكن الأكيد هو أن هذا الحضور للذاكرة في الواقع هو أكبر تأكيد على أن ماركيز عاش ليروي.
مذهلة هي رواية ماركيز، الحقيقة أنه عاش فترة استثنائية من التاريخ الكولومبي المثير، تلك الفترة العائمة بعد الاستقلال. يكفي أن نتذكر هنا أن ماركيز شاهد بعينه مجزرة مرعبة قامت بها الشرطة راح ضحيتها الكثير من البشر في وسط العاصمة الكولومبية بوغوتا.. العاصمة التي يقول عنها ماركيز إنها المدينة الأكثر كآبة في العالم.
الكولونيل نيكولاس ماركيز جد غابرييل من أمه، الفارس الأسطوري الذي أشعل شرارة الراوي في حفيده من خلال حكاياته غير المنتهية عن حرب الألف يوم (معلومات عن الحرب). استمع ماركيز الحفيد لحكايات الجد الكولونيل وهو في طفولته، استمع لها باستمرار، فقد كان يعيش مع جده، يا لذاك الجد المهيب، المحارب القديم الذي يرفع له الكثيرون القبعة حين يمر، والذي يكفي ذكر اسمه ليخلق معارف وأصدقاء ومُحترِمين (بكسر الراء) في أي مكان في كولومبيا. كان الجد حاضرا جدا في حياة الحفيد لدرجة أن ذاكرته امتلأت به واستحضرته في مواقف كثيرة، كيف لها وهذا الجد المهيب قد رعاها في تشكلها الأول.
يروي ماركيز نفسَه في هذا الكتاب، فكيف يا ترى بدت هذه النفس. هل بدا مثاليا جدا لدرجة عدم التصديق كما يفعل الكثير من أعزائنا الكتاب العرب؟
لا لم تكن الصورة بهذا الشكل. الذي بدا واضحا أن فعل الرواية كان هو الأكثر تجليا وأن شخصية ماركيز جاءت كمساحة لهذا السرد، فبقدر ما كانت حاضرة بقدر ما كانت غير ملحوظة كمكان. مكان للحكاية التي عاش من أجلها ماركيز.
كيف عاش ماركيز الروائي العالمي الشهير؟ لقد عاش بشكل يستحق أن يقرأ. التجربة التي عاشها، تجربة الفقر والاضطراب العام والمغامرات المحفوفة بالخطر، التجربة التي اقتربت به كثيرا من الموت في الوقت الذي جعلت للحياة معنى يستحق أن يروى.
ماركيز كاتب، كان هكذا منذ طفولته، ولذا من المهم أن يقرأه الكتاب قبل غيرهم، ليس لكونه أنموذجا يحتذى أو مثالا يتبع، بل لأنه كان كاتبا منذ الطفولة، كاتبا حقيقيا، يقرأ في كل مكان، حتى حين تلفظه الحياة على الأرصفة وحيدا، مفلسا، جائعا، كان يقرأ.
نتحدث هنا عن كولومبيا في الأربعينات.. الوقت الذي كان الكتاب فيه سلعة نادرة، يسمع عنه أكثر مما يرى. إلا أن الوسط الثقافي كان في أوجه، خصوصا مع جيل الشباب هذا. ليس غريبا في أميركا الجنوبية أن يكون رئيس الجمهورية شاعرا أو روائيا أو مثقفا معروف الإنتاج والاهتمام.
القراءة أو الاستماع للحكماء فضيلة عالية. معهم تمتلئ الكلمات بالمعاني ويحضر الزمن بوصفه حركة وفعلا وحياة.
مع الحكماء تتدفق المعرفة كما يتدفق الشك. الحكماء هم وحدهم من يحذرون من أنفسهم ويقدمونها للناس لا لتجذبهم بل لتشاركهم بعض المشاعر وبعض القلق. مع الحكماء تتحول السيرة الذاتية إلى حديث عن الإنسانية، عن الحياة، عما هو مشترك. صوت الحكيم هو آلاف من الأصوات اجتمعت في لحظة ما. أصوات تتحدث لتقول: كلنا بشر.
كلمة أخيرة لا بد أن تقال في حق صالح علماني المترجم؛ كم هو القارئ العربي مدين لك بهذا العمل. يقول موريس بلانشو: هل نعرف حقا كل ما ندين به للمترجمين، وما ندين به للترجمة على الخصوص؟ إننا لا نعرف ذلك حق المعرفة. وحتى وإن كنا نعترف بفضل أولئك الذين يزجون بأنفسهم في غمار تلك المهمة المحفوفة بالألغاز، والتي هي مهمة المترجم، حتى إن كنا نحيّي فيهم كونهم معلمي الخفاء لثقافتنا، وإن كنا نرتبط بهم ونركع لتفانيهم، فإن اعترافنا يظل صامتا، مشوبا بشيء من الاحتقار، وما ذلك في الحقيقة إلا وضاعة من جانبنا، إذ إننا لسنا في مستوى الاعتراف بهم.
كانت رواية ماركيز مختلفة ولذا كانت أهلا لأن تترجم. ومن حسن حظنا أن ترجمها صالح علماني، لأنه ـ وببساطة ـ كان يمكن أن تصبح هذه الرواية المختلفة نصا غير قابل للقراءة أو نصا مشوها.