لدينا في هذا البلد، ولله الحمد، ما تنوء به العصبة من مفاتيح الهيئات المختلفة والدواوين المتراصة والمكاتب والجمعيات المتعددة، وكلها تهدف إلى ما تهتف به من السلوك القويم من أجل الوصول إلى أحلام (شبه الجزيرة الفاضلة). لدينا هيئة مكافحة الفساد التي جمعت من أخبارها في أسبوعها الأخير أنها تفتش في نقص الخدمات الصحية لمشفى من 50 سريراً في إحدى المحافظات، وكأننا فرحنا بهذه الهيئة الموقرة كي تتابع مع نظافة شراشف المرضى أو نقص الأنسولين لمرضى السكر بينما كنا نؤمل في القبض على المليارات الشاردة.
لدينا مكاتب توعية الجاليات التي تفرحنا بإسلام هذا وهداية ذاك، بينما الآلاف من شبابنا، وبالبرهان، على الطوابير إلى الأفلام الإباحية وكارتيل – الكبتاجون – لأن الأعجمي – أمين – ساتر لا يتحدث. لدينا منظمتان لحقوق الإنسان، وآخر أخبار – إحداهما – أنها تبحث عن اختلاسات لأراض كانت من نصيب ذوي الدخل المحدود، بينما في دائرة معارفي (القريبة جداً جداً) ثلاث مطلقات يبحثن من سنين عشر عن أمل طفيف لمشاهدة تسعة أطفال بحوزة الأزواج السابقين رغم أن الأمل المستحيل لا يحتاج إلى تحقيق ولا أوراق غير أوراق القانون لشرع الله المطهر.
لدينا أكبر خطاب وعظي على وجه الأرض، ورغم هذا فنحن زبائن ثلث إنتاج العالم من الكبتاجون وسوق نصفه من أفلام الإباحة. ربع نسائنا مطلقات، وكل نسائنا لا يستطعن السير – في الحارة – لكيلومتر بمفردهن من الوحوش البشرية. لدينا، ومؤخراً، مقترح الهيئة العامة للكتاب، وقد طفت المدينة مساء البارحة لأشتري عنوانا مختلفاً، وكلما سألت عن مؤلف بعينه أو كتاب بقصده، سمعت كلمة – الممنوع – وهذا يحدث حتى قبل ولادة الهيئة، فما بالكم بما سيحدث من بعد.
لدينا على ناصية الشارع العام جمعية الحفاظ على الأسرة: أقرأ لوحتها وفي يدي قصة – أروى – بنت (السنون) السبع التي تبرهن أن الجار السابع لأهلها كان يعرف بعذابها الممنهج وأن 500 طفل في المدرسة فضلا عن المعلمات والطالبات كانوا يعرفون تفاصيل حياتها اليومية وكأننا قطيع أغنام ترعى على سفح جبل. لدينا جمعيات البر وحفظ القرآن الكريم ورعاية الأيتام وندوة الشباب وهيئة الإغاثة وكلها جمعت الملايين لتشتري الأراضي وترفع المباني على الشارع العام. الفقير يحتاج الدواء واليتيم يطلب فسحة المدرسة، وهؤلاء ينافسون التجار على الاستثمار، وما خفي كان أدهى وأعظم.
وباختصار: لدينا مسميات لكل قصة ولكل مشكلة، وفي المقابل لدينا من الأمراض الاجتماعية ما يربو ويزدهر تحت ظلال هذه الهيئات والدواوين والجمعيات. لدينا الجمعية ولدينا نقيض أهدافها في هذا البلد.