'ليست العادات الفردية فقط التي يمكن تغييرها، بل عادات الشركات والمؤسسات وعادات المجتمع. ومن دراسات علم الأعصاب فإن كل عادة يمكن تغييرها مهما كانت مترسخة في الفرد أو المؤسسة'
نتعرض جميعا في اليوم الواحد للعشرات من المواقف على مستوى العمل والبيت وعلى المستوى الشخصي، والتي تتطلب منا اتخاذ قرارت وأفعال تجاها. والسؤال المطروح هو: ما هو مصدر تلك القرارات أو الأفعال؟ الكثير منا يظن أن المستوى الثقافي والعلمي والخبرات هي فقط التي تحدد القرارات أو الأفعال تلك.. لكن اتضح أن الأمر غير ذلك.. ففي اللقاء الذي أجراه الإعلامي اللامع فريد زكريا في CNN مع السيد تشالز دوهيج مؤلف كتاب قوة العادات The Power Of Habits قبل عدة أيام عرض المؤلف أن 40% من الأفعال التي نقوم بها كل يوم ليست قرارات نتخذها بل نتاج عاداتنا.. والأمر الآخر الذي نعتبره من المسلمات، وهو ليس كذلك، هو أن العادات هي سمات بشرية لا يمكن تغيرها. والواقع، كما يقول المؤلف، أن العادات مطواعة والتعرف على تغييرها له تأثير كبير وعميق، ليس على المستوى الشخصي فقط ولكن أيضاً على مستوى العمل الذي نقوم به أياً كان مستواه، خاصاً أو حكومياً. ومؤلف الكتاب محلل في صحيفة نيويورك تايمز New York Times.. وقد تحدث حول عدد من الجوانب المتعلقة بهذا الموضوع. وفي البداية تحدث عن تجربة شركة Alcoa الصناعية التي تولى قيادتها بول أونيل الذي أصبح فيما بعد وزير الخزانة في الولايات المتحدة الأميركية .. فعندما تولى قيادة الشركة كانت الشركة متعثرة بشكل كبير، وتوقع الجميع أن يركز أونيل على الإنتاجية Productivity والفعالية Efficiency ، لأن الجميع يظنون أن هذين الجانبين هما فقط المسؤولان عن نجاح أي شركة، لكن أونيل لم يفعل ذلك.. وقال إن أمن الموظف هو تركيزه الأول، حيث ذكر أن هناك أشياء تسمى العادات الرئيسية Keystone Habits تسيطر على المؤسسات.. وإذا تم تغيير هذه العادات فسيكون هناك سلسلة من النتائج، وهذا ما تم عمله في شركة Alcoa عندما يتم التركيز على أمن العاملين ثم تحول الشركة بالكامل، وخلال سنتين فقط أصبحت أعلى قائمة الشركات في مؤشر داو جونز. وحول وجود الرغبة لدى العاملين لتغيير عاداتهم وقدرتهم على التغيير، استعرض المؤلف ما هو سائد خلال العقد الماضي حول فهمنا لما أسماه علم العادات Science of Habits.. وقال إن الدراسات في علم الأعصاب قد حولت بالكامل كل ما كنا نعرفه في العقد الماضي حول العادات.. وإننا الآن ندرك بناء على نتائج تلك البحوث والدراسات أن كل عادة تتكون من ثلاثة عناصر: التلميح والروتين والمكافأة، وإذا استطاع المسؤول أن ينجح في تشخيص التلميحات المنطلقة من العادات والدوافع فإنه يستطيع بشكل آلي تغيير السلوكيات بطرق لم نعتقد أنه يمكن تغييرها بها.. فعلى سبيل المثال فيما يتعلق بتغيير تلك العادات السيئة يمكن أن نضرب مثالاً بعادة التدخين كمثال مناسب جداً. ففي العقد الماضي بلغ التدخين في الولايات المتحدة ذروته.. وجزء من الأسباب لأننا الآن ندرك لماذا يدخن الناس.. حيث توجد تلميحات منها التوقيت (وقت ما خلال اليوم) الذي يحفز هذا السلوك.. لا تكتفي فقط بمحاولة الإقلاع بل استبدلها بالقهوة أو بالتمارين.. أو بأي شي يعطيك نفس المكافأة أو الدوافع.. وقد رأينا بواسطة هذا التوجه انخفاض عدد العاملين المدخنين في شركتنا ومدى قدرتهم على الإقلاع.. وفي سؤال حول ما لوحظ في شركة ستاربكس من محاولات لإنتاج عادات تستخدم عند التعامل مع الزبائن الساخطين؛ قال المؤلف إن هذا صحيح.. ومن الأمور الجميلة أن لديهم خدمة إضافية مع كوب القهوة الذي يباع بأربعة دولارات، فهم بالرغم من أن القوى العاملة لديهم هي في سن المرحلة الثانوية ذات 17 ربيعاً من العمر إلا أنهم يعلمونهم مهارات تلك الخدمة المتمثلة في تخطيط عادات محددة لاستخدامها في أماكن العمل والبيع.. فعلى سبيل المثال إذا خرج لهم زبون غاضب فإن هذا تلميح لاستخدام طريقة كوب القهوة التي تعني الاستماع إلى الزبون وشكره وإعطاءه فنجان قهوة مجاناً.. والمكافأة هي ببساطة حل هذه المشكلة ورضا الزبون. إنهم يستمدون القرار من تلك المعادلة.. وتكون الاستجابة بشكل آلي، ولهذا ارتفع أداء خدمة العميل بشكل لافت. وحول محاولة بعض الشركات قياس هذه القضايا ونجاحهم الباهر يقول المؤلف إن تلك الشركات لديها مشروعات مثمرة، فهم يدرسون عادات الزبائن ويدركون أن عادات الناس تتغير مع الأحداث الكبيرة التي يتعرضون لها. فعلى سبيل المثال تتغير العادات بعد الزواج وبعد الطلاق وبعد الإنجاب، تتغير عادات تسوقهم وأكلهم وشربهم دون أن يدركوا تلك التغيرات التي طرأت على سلوكياتهم، ولهذا فالشركات الناجحة تتعرف على تلك العادات ويتعاملون معها وتزداد مبيعاتهم.. وفي سؤال مهم حول إمكانية تغير تلك العادات حقيقة أجاب المؤلف: بالتأكيد.. بالتأكيد.. وهذه أكبر المسلمات لدينا.. وليست العادات الفردية التي يمكن تغييرها، بل عادات الشركات والمؤسسات وعادات المجتمع.. وتعلمنا خلال العقد الماضي من دراسات علم الأعصاب أن كل عادة يمكن تغييرها مهما كانت مترسخة في الفرد أو المؤسسة أو المجتمع.. ومهما كان عمر الفرد طالما أنه يمكن استكشاف التلميحات والدوافع والتعرف على ما يحفز السلوك من منظور عصبي.. لكن لا بد من أن يكون هناك إصرار ورغبة ملحة وتعمد للتعامل مع هذا الموضوع.
مديرو المؤسسات لا بد أن يفكروا في عادات مؤسساتهم. الاكتفاء بالمحاولات وبطرق سيارة هامشية لا يغير شيئا، ولا يجعلهم جادين في التعامل مع العادات.. ومديرو المؤسسات المتميزون عندما تتحدث معهم يحدثونك عن عادات مؤسساتهم وكيف يحولونها إلى عادات جيدة.
خلاصة القول أن هذا الكتاب الجديد يحمل إلينا فكرة جديدة وهامة، هي أن الارتقاء بالأداء وتطوير العمل على مستوى المجتمع والمؤسسة والفرد يمكن عن طريق تغيير العادات. فقد ثبت أن بعض تصرفاتنا وقد يكون ما هو مهم منها ينطلق من عاداتنا غير المحمودة، ولهذا يكون التصرف غير محمود. وتعلمنا من قراءة هذا الكتاب أن تغيير العادات ممكن حتى ما هو راسخ منها ومهما كان عمر الفرد.