واجب المثقفين ومهمتهم، ليسا مقصورين على العمل المهني والإبداع الأدبي، ولكن هذا الواجب، وتلك المهمة، يتعديان ذلك إلى العمل الوطني، الذي يجب أن يمارسوه
يُجمع كثير من الباحثين وعلماء السياسة والاجتماع، على أن معركة التغيير في بلدان العالم العربي لا يمكن أن تكون بغير التغيير الجذري للأوضاع المتأزمة، لإحلال أوضاع محلها، دون الاحتكام إلى طبيعة التطور الإصلاحي الذي يتطلب كثيراً من الوقت، والجهد، والمال.
فهل تُعتبر هذه النظرة نظرة يسارية متطرفة، تؤمن بالثورة لا بالتطور الإصلاحي؟
فلو نظرنا إلى ما جرى في تونس، ومصر، وليبيا - على سبيل المثال – لوجدنا أن الثورة التي مضى عليها حتى الآن أكثر من عام، لم تحقق الأهداف المطلوبة التي كانت تأمل شعوب هذه البلدان تحقيقها من وراء الثورة.
فهل يشبه قانون الثورات قانون أشجار الفاكهة، التي لا تُطعم إلا بعد خمس سنوات من زراعتها؟
أم أن طبيعة الثورات في البلدان المتقدمة تختلف عنها في البلدان المتخلفة كالعالم العربي، حيث تكون مرافق الحياة التعليمية والصحية والاجتماعية والاقتصادية قد أهملت تماماً وعلى العهود الجديدة أن تبدأ من الصفر وهو ما يتطلب جهداً كبيراً، ومالاً وفيراً، ووقتاً طويلاً؟
لذا، فقد كنتُ أرأف بحال مرشحي انتخابات الرئاسة المصرية، وهم يُغرقون ناخبيهم بالوعود الكثيرة، والعسيرة التحقق بسرعة، دون أخذ اعتبار الواقع، وما يمثله من عقبات، تجاه الإصلاح العام.
بعض المؤرخين والمحللين السياسيين كعبد الكريم غلاّب، يبررون دعوتهم إلى التحرك السريع والدراماتيكي في التغيير والتطوير، في العالم العربي إلى عدة أسباب منها:
1- على الإنسان المتخلِّف في العالم العربي، أن يختار بين التحرك السريع والدراماتيكي في التغيير والتطوير وبين أن يبقى في آخر سلم الشعوب الراقية والمتقدمة.
2- إن التحرك السريع والدراماتيكي في التغيير والتطوير هو منطق العصر الحديث، وأسلوبه، الذي نعيشه الآن. وأصبح التطور قفزاً لا سيراً. وأصبحت الحضارة تقفز من مرحلة إلى أخرى، حتى أصبح طابع الحياة هو القفز من مرحلة إلى أخرى.
3- إن الهوة تزداد عمقاً كل يوم بين الشعوب المتخلفة والشعوب المتقدمة. ففي الوقت الذي دخلت فيه بعض شعوب العالم مرحلة ما بعد الحداثة، ما زلنا نحن في العالم العربي نعيش في مرحلة ما قبل الحداثة! وفي الوقت الذي دخلت فيه بعض شعوب العالم مرحلة ما بعد الصناعة ما زلنا نحن في معظم أنحاء العالم العربي نعيش في العصر الرعوي، أو العصر الزراعي، على أحسن تقدير!
4- في العالم العربي تحديات كثيرة وخطيرة، تعوق التطوير التدريجي. ويرى كثير من المؤرخين والمحللين السياسيين، أن التطوير التدريجي ليس خيراً من التحرك السريع والدراماتيكي في التغيير والتطوير. وقد ظل مثل هذا الكلام مجرد تنظير، وحديث منتديات، ومؤتمرات مغلقة، إلى أن تم التغيير السياسي في تونس، ومصر، وليبيا. وها نحن نتفرج على ما يجري في هذه البلدان. فهل كان التحرك السريع والدراماتيكي في التغيير والتطوير أجدى نفعاً من التطور التدريجي؟
5- العالم العربي مختلف عن بقية أنحاء العالم الأخرى، بل إن كل بلد من البلدان العربية، له خصوصيته المختلفة عن الأخرى. وقد رأينا في الأمس، أن ما يصلح لتونس لا يصلح لمصر، وما يصلح لمصر لا يصلح لليبيا، وما يصلح لليبيا لا يصلح لليمن، وهكذا.
فما بالنا إذن، نقارن ما بين يوميات وتفاصيل وتداعيات الثورة الفرنسية 1789 مع ما يقابلها في ثورة 25 يناير 2011 المصرية؟!
6- لا شك أن تجاربنا في التغيير والتطوير والتحرك السريع والدراماتيكي في التغيير والتطوير تجارب قاصرة ومحدودة، إن لم تكن غير متوفرة. ولذا، فنحن كمن وقع في مطب لا قِبَلَ له فيه، ولم يخبُره من قبل، فراح يتخبَّطُ به تخبُّط الممسوس. فعلينا أن نتمهل في أحكامنا. وعلى المرشحين للرئاسة والقيادة، أن يتمهلوا أكثر في وعودهم لناخبيهم، حتى لا يُضطروا غداً إلى الإخلاف معهم. أو يضطروا إلى عمل عكس ما يجب.
أين هو دور المثقفين في التحرك السريع والدراماتيكي في التغيير والتطوير؟
لو أردنا أن نضع هذا الدور في نقاط محددة، لأصبح لدينا التالي:
1- المثقفون ليسوا هم الكتَّاب فقط، ومن يعمل في حقل الكتابة من الإعلاميين، وغيرهم. ولكن المثقفين، يشملون السياسيين، والعلماء، والطلبة، والأطباء، والمهندسين، والأساتذة، والمحامين، وأصحاب المهن الحرة إن كانوا من المتعلمين.. إلخ. ويجب أن يُغير التحرك السريع والدراماتيكي في التغيير والتطوير، مفهومنا التقليدي للثقافة.
2- واجب المثقفين ومهمتهم، ليسا مقصورين على العمل المهني والإبداع الأدبي، ولكن هذا الواجب، وتلك المهمة، يتعديان ذلك إلى العمل الوطني، الذي يجب أن يمارسوه. وهذه المهمة هي من صُلب الثقافة نفسها، فلا ثقافة حقيقية، دون ممارسة العمل الوطني. ولا معنى للثقافة، دون ممارسة العمل الوطني، والتضحية من أجل هذا العمل. فالثقافة لم تعد الفرجة على الواقع من شُرفة عالية، فيما يُطلق عليها البرج العاجي. فمفهوم المثقف في العصر الحديث، هو المشارك مشاركة فعالة في التحرك السريع والدراماتيكي في التغيير والتطوير. فالمثقفون هم الذين يمكن أن يقوموا بـالتحرك السريع والدراماتيكي في التغيير والتطوير. فهم كانوا على ممر التاريخ باعثو، ومحركو، ومنفذو، التحرك السريع والدراماتيكي في التغيير والتطوير. وكانوا دائماً هم وقود هذا التحرك.
3- ولكن، ما دام هذا هو دور المثقف، فلماذا يتقاعس ويفشل المثقف العربي، في لعب دور حيوي وفعال في التحرك السريع والدراماتيكي في التغيير والتطوير ؟ والإجابة السريعة عن هذا السؤال المهم، تتلخص في: عدم تنظيم المثقفين، وتشتت شملهم. وأنهم فئة قليلة في المجتمعات العربية. ونحن بحاجة إلى سنوات طويلة لكي ننشئ طبقة واسعة من مثقفي الطبقة الوسطى خاصة. وأن المثقفين العرب، تتنازعهم عدة عصبيات، ومذاهب عرقية، ودينية وسياسية. وهم ليسوا على قلب رجل واحد. وأن المثقفين يتركزون في المدن فقط، دون الأطراف. وقد لاحظ الباحث الأوكراني أ.أ.إجناتنكو في كتابه خلفاء بلا خلافة أن التحرك السريع والدراماتيكي في التغيير والتطوير في العالم العربي مدني فقط؛ أي في المدن فقط، وليس شاملاً، (ص124). وهذا متوقع نتيجة للنمو الانفجاري في المدن من صناعة وتجارة وإعلام .. إلخ. ولكن هذا الواقع، يضع أكثر من 50% من المواطنين على هامش الأحداث للأسف.