عبدالله فدعق

سعيد جدا، أن يتزامن نشر مقالي هذا مع احتفالات جامعة «السوربون» بتخريج طلابها وطالباتها، ومنهم «ابني محمد»، الذي سينال، بفضل الله، من هذه الجامعة العريقة، الليلة شهادة الماجستير في «قانون التجارة الدولية»، أسأل الله تعالى، أن يوفقه ويسدده، هو و زملاءه وزميلاته كافة، ويرفع بهم رؤوس آبائهم، وهامات أمهاتهم، ويسهل لهم طريق خدمة أوطانهم، ويعينهم على مستقبلهم، ويحميهم، ويفتح عليهم..

محمد، قطعاً، لا يعرف عن مفردات مقالي، وسيشاهده كغيره، وبحدسه قد يكون قد توقعه مني، لأني فعلتها معه في كل مرحلة تخرج فيها، قبل الجامعة، وبعد البكالوريوس، واليوم، والاختلاف هذه المرة، هو أني أكتبه منه وإليه.. محمد، بارك الله فيه، وفي أبناء وبنات الكل. سلمني رسالته، قبل مناقشتها، ومع اختلاف تفاصيل التخصص بيننا، حاولت تلبس حال المناقشين، وفخور أني استطعت تبسيط الأمور عليه، حتى أصبحت عنده المسألة «مقابلة»، وليست «مناقشة»، وتعلمت منه علما جميلا وجديدا.

من أهم ما تعلمته، ضرورة دقة التحليل الجوهري للقضايا التجارية، وأنظمة تجارة السلع والخدمات ورأس المال، بما في ذلك التحكيم والمالية والقانون المقارن وقانون التنافسية وغيرها، وتعلمت كذلك أهمية الفهم المعمق والشامل للممارسات والأعمال الدولية، وفهم التحديات القانونية على الساحة الدولية، والاستجابة لها، وكل ما يتعلق بالحوكمة الدولية، وتعلمت أيضا أهمية تعلم قانون المؤسسات، وقانون الضرائب الدولي، وقانون المصارف، والملكية الفردية، وتعلمت أيضا أهمية إدراك التفاعل بين القوى الاقتصادية والمالية والاجتماعية..

كل الذي تعلمته من الغالي، فرض علي أن أرده له بأحسن منه، وقررت أن يكون مكتوبا هنا، له ولزملاء تخصصه، وأقول لهم، إن النظم القانونية التقليدية معقدة، لأسباب كثيرة، ومنها العولمة السريعة، وهذا يتطلب محامين بارعين، ذوي منظور دولي، ويتطلب أن تكونوا أكثر إلماما بما يجري حولكم، وأن تتقنوا التفكير المنطقي القانوني، وأن تصقلوا قدراتكم على المناظرة، وأن تجيدوا الخطابات العامة، وتتقنوا مهارات التقييم، ومهارات التفاوض، ومهارات اتخاذ القرارات، وتعززوا خبراتكم في مجال فض النزاعات والتقاضي، وبشكل خاص المهارات المتعلقة بإجراءات التحكيم الدولية، وأمامكم بحول الله، فرص عمل كثيرة، فتشوا عنها في المؤسسات الحكومية، والسياسية، والدبلوماسية، والإعلامية، والقطاع الخاص، والشركات متعددة الجنسيات، وكونوا على ثقة بربكم، وأن ما تعلمتموه مربح وتنافسي، وأن سوق العمل حريص على المهنيين البارزين منكم..

اليوم، وأنا أستعد لحضور حفل الخريجين، بعد ساعات قليلة، أشكر ربي وأحمده، جل جلاله، وعز شأنه، أن بلغني هذا اليوم الفخم البهيج؛ فالفرحة يا ولدي، يا محمد، يا سندي، لا تكاد تسع سيدتي الوالدة، جدتك، التي تحملت كل شيء، وأبت إلا أن تكون مرافقة لك في رحلتك العلمية هذه، ولا تكاد تسع حبيبتي أمك، الشريفة منى، ولا تكاد تسعني، ولا تسع شقيقتك الكبرى خديجة، ولا شقيقتك الصغرى أميمة، ومتأكد أن سعادة أختك البتول، وأخيك مالك كبيرة جدا، وما أنقصتها امتحانات نهاية الفصل الدراسي الأول التي حجبتهم عن المشاركة معنا «عن قرب»، والإحساس نفسه موجود، من دون شك، عند ستك الكريمة الثانية، التي رفضت أن تتركهما وحدهما، وهو كذلك عند باقي أسرتك الكبيرة، ومن هو في محيطهم، وعند أصدقائك ومحبيك. ممتن جدا لكل من رعى واعتنى وأشرف على تعليم ابني وزملائه، وإيصالهم لهذه المرحلة المهمة والدقيقة من حياتهم، ولا يمكن أن أنسى الآباء الأفاضل، والأمهات الفضليات، فهذا غراسهم الطيب قد أينع، ودعواتهم في جوف الليل قد قبلت، وجهدهم الكبير لم يذهب هباء.. اللهم سهل لأبنائنا وبناتنا الطريق، وأزل عنهم التعويق.