يتخلصون من إثباتاتهم بمجرد وصولهم العاصمة المقدسة ويخافون رجال البلدية
تنساب دمعات ساخنة على وجنتي سعدية أمادو ذات الستين عاماً فتترك آثاراً لا تخطئها العين، تهوِّم ببصرها في الفضاء الواسع وكأنها في انتظار قادم مجهول، تهدج صوتها وهي تجيبنا عندما سألناها عن عمل أبنائها وزوجها وقالت: أبنائي عاطلون عن العمل رغم أن أكبرهم بلغ الثلاثين من عمره. أما زوجي فهو معاق وغير قادر على العمل بعد إصابته في حادث سير.
لا تختلف حالة أمادو عن حال كثيرين غيرها من ذوي البشرة السمراء الذين ينتشرون في معظم أحياء مكة المكرمة، لكنهم يتركزون في مناطق مثل الهنداوية وشارع المنصور وجبل غراب، لا تخطئهم العين فبشرتهم الداكنة ولهجاتهم الأفريقية تدل عليهم، يتحدث بعضهم العربية بلكناتٍ متعددة فتخرج الكلمات من شفاههم متكسرة واهنة، لكنهم جميعاً يتفقون في إتقان لهجاتهم الأفريقية التي يلجؤون إلى التخاطب بها، وبالذات عندما يوجد بينهم من لا يريدون أن يفهم ما يقولون.
تنحدر أصولهم من دول أفريقية عديدة، وإن كانت غالبيتهم ترجع إلى تشاد ونيجيريا وأفريقيا الوسطى. يعملون في مهن هامشية تتفاوت ما بين بيع الخضراوات والفواكه في طاولات صغيرة متحركة وذات عجلات، إلى تحميل الأمتعة والبضائع وإصلاح الأحذية وغسل السيارات، وهي مهن تحتاج إلى التحمل والبنية الجسمانية القوية، لكنها لا تدر عليهم إلا ما يكاد يفي لسد رمقهم، كما تعمل نساؤهم وفتياتهم في مهن هامشية مشابهة مثل بيع الخردوات البسيطة والملابس المستعملة وكخدم في المنازل بأجور متدنية مقارنة بنظيراتهن من دول شرق آسيا وإثيوبيا، حتى أطفالهم يعملون في مهن مشابهة مثل بيع المياه المبردة واللب والتسول، وبالذات عند إشارات المرور وفي منطقة الحرم المكي الشريف.
وجه غير مشرق
ما سبق هي الأعمال البسيطة التي يقوم بها هؤلاء الوافدون، إلا أن الوجه غير المشرق لهم يتمثَّل في اشتغال العديدين منهم بالدجل والشعوذة والسرقات، والاتجار بالسلع المسروقة، ولهم بعض المناطق التي تعارفوا عليها كأسواق يبيعون فيها هذه السلع مثل سوق بابنجيدا وسط مكة ويبدأ العمل فيه عقب صلاة الفجر من يوم الجمعة أسبوعياً، حيث يبيعون هذه السلع بأسعار متدنية ومثيرة للشكوك والشبهات.
ويتصف هؤلاء المجهولون بازدياد معدل المواليد بينهم وذلك نسبة لانخفاض تكاليف الزواج في أوساطهم، وكثيراً ما تجد طفلة منهم لم تتجاوز الثانية عشرة من عمرها وهي تلف رضيعها بخرقة قماش وراء ظهرها، وتكون في ذات الوقت حاملاً في الطفل الآخر، وربما تمسك بيدها الطفل الثالث، وكل هؤلاء الأطفال لا يكلِّفون ذويهم شيئاً، إذ إنهم يأكلون من نفس الطعام ولا يذهبون إلى المدارس ويعيشون على الكفاف.
ومع أن بعضهم قد أتى إلى هذه البلاد طلباً لأداء فريضة الحج أو شعيرة العمرة، وطاب له المقام بجوار البيت الحرام، بعد أن استوفوا شروط الإقامة النظامية، إلا أن الغالبية العظمى منهم مخالفون للأنظمة، وقام قسم كبير منهم بإخفاء أوراقه الثبوتية، حتى لا يتم الاستدلال على جنسيته عند الرغبة في ترحيله، كما يدَّعون عدم معرفة أوطانهم لأنهم – حسب زعمهم – ولدوا هنا لآباء مختلفي الجنسيات. ومما يزيد وضعهم تعقيداً أن غالبيتهم العظمى عمالة غير ماهرة ولا تضيف لسوق العمل شيئاً، وكذلك يفتقدون إلى الحرص على تعليم أبنائهم أو إكسابهم أي حرفة. وقد زادت أعداد هؤلاء بصورة ملحوظة خلال السنوات القليلة الماضية، فمن هم ومن أين أتوا؟ للإجابة على تلك التساؤلات حملنا أوراقنا والتقينا بعضهم ونجحنا في التحدث إليهم بعد معاناة شديدة لخوفهم من كل من يطرح عليهم مثل هذه الأسئلة.
بيع المياه
البداية كانت مع طفل صغير لم يتعد السادسة من عمره ويعمل في بيع المياه المبردة في قارعة الطريق، سألناه عن اسمه فأجاب أنه يدعى عبدالله، ويعمل في بيع المياه المبردة من الساعة التاسعة صباحاً وحتى صلاة العشاء يومياً، وأنه يكسب حوالي 20 ريالاً يومياً وله خمسة إخوان يعملون في مناطق أخرى متفرقة.
كابوس البلدية
بعد ذلك التقينا هارون بابو (وهو شاب في الثلاثينات) قدم من نيجيريا إلى مكة المكرمة قبل خمس سنوات لأداء فريضة الحج بعد أن باع كل ما يملك في وطنه لتحقيق ذلك الحلم، فطاب له المقام والاستقرار في مكة، لأنه – حسب قوله – ينحدر من قرية صغيرة تفتقد لأبسط مقوِّمات الحياة ولا توجد بها فرص عمل.
يعمل بابو في بيع الخضراوات في طاولة صغيرة متحركة، وبسؤاله عن كيفية الحصول على هذه الخضراوات ومقدار ما يحققه من ربح، أفاد بأنه يذهب برفقة بعض زملائه عقب صلاة المغرب إلى حلقة الخضار الرئيسية في منطقة الكعكية بمكة المكرمة حيث يحصلون على هذه الخضراوات بأسعار رخيصة نسبة لرغبة التجار في التخلص مما بقي من بضاعتهم قبل الذهاب إلى منازلهم، فيشترونها ويقومون فجر اليوم التالي بغسلها وتعبئتها في أكياس بلاستيكية صغيرة ويبيعونها لذوي الدخل المحدود بسعر ريال واحد للكيس.
وعن حملات البلدية التي تلاحقهم أفاد بأن تلك الحملات تمثِّل بالنسبة لهم الهاجس الأكبر وأنه كثيراً ما يهب من نومه مذعوراً بعد أن يرى رجال البلدية في منامه وهم يطاردونه، ويبدي بابو استغرابه من إصرار موظفي البلدية على ملاحقتهم ومطاردتهم رغم أنهم – حسب رأيه – يقدمون خدمة لذوي الدخل المحدود، وعندما أخبرناه بأن هذه الأعمال مخالفة للقانون وتمثل خطراً على الصحة العامة، وأشرنا إلى كيس يحوي جزراً متعفناً غضب وقذف الكيس في عرض الشارع وتمسك بأن ذلك يمثل نسبة قليلة مقارنة ببقية خضراواته، ودفع بسطته وهو يهذي بكلمات غير مفهومة ظاهرها يدل على عدم الرضا.
يتيم منذ الصغر
أما علي آدم وهو شاب في العشرينات من عمره يمتهن غسل السيارات عند مدخل حي الهنداوية الذي يعرف باسم (المثلث)، فهو يتقن العربية، ويقول إنه نشأ بمكة يتيماً لأب تشادي وأم نيجيرية، وإن والده قد تم ترحيله إلى تشاد وتوفي هناك، وتوفيت كذلك والدته بمكة المكرمة عندما بلغ سن الخامسة من عمره وتركت له أختاً تصغره بعامين.
ويشير آدم إلى أنه لم يجد من يعينه على أمور الحياة، وكان يأكل وأخته من فضلات المطاعم ومما تجود به أيادي المحسنين، وأفاد بأن أخته تزوجت منذ أن بلغت سن الرابعة عشرة ولها من الأبناء خمسة.
وعن دخله اليومي أشار إلى أنه يغسل حوالي 10 سيارات يومياً وأن أجرة غسل السيارة الواحدة 10 ريالات، وعندما أخبرناه أنه يعتبر من ذوي الدخل المرتفع ابتسم ابتسامة عريضة وقبل يديه ظاهراً وباطناً في إشارة إلى الحمد والشكر.
أبناء عاطلون!
أما الحاجة سعدية أمادو التي تبيع ثمار القورو، وهي ثمار في حجم حبة الليمون يقال إن لها تأثيرا مخدرا، فتقول إنها دخلت هذه البلاد قادمة من تشاد قبل أكثر من خمسة وعشرين عاماً لأداء فريضة الحج برفقة زوجها وإنهم فقدوا أوراقهم الثبوتية وأموالهم وتوفي زوجها بعد ذلك بفترة قصيرة، فتزوجت بعده بأحد أبناء جلدتها وأنجبت منه ولدين وبنتاً.
وبسؤالنا عما إذا كان زوجها الحالي أو أي من أبنائها يساعدها في العمل، قالت إن زوجها عاطل عن العمل منذ فترة بسبب إصابته في حادث مروري وإنه يعتمد عليها في توفير لقمة العيش، أما أبناؤها فهم عاطلون عن العمل رغم أنهم تجاوزوا العشرين من العمر، ولا يفعلون شيئاً سوى الجلوس في قارعة الطريق منذ بواكير الصباح وحتى أواخر الليل، وإن ابنتها الوحيدة هي التي تساعدها بالعمل كخادمة في بعض البيوت، لذلك لا تتمنى من الدنيا شيئاً سوى أن تتمكن من تزويج ابنتها قبل موتها، وعندما سألناها عن الكيفية التي ستتمكن بواسطتها من تزويج ابنتها وهي لا تملك شيئاً قالت بإصرار شديد إنها مستعدة لتزويج ابنتها من ابن الحلال ولو بريال واحد.
سرقات ومشاكل
وبسؤال أحد السكان (فضَّل عدم ذكر اسمه) أشار إلى أن هؤلاء المجهولين باتوا يمثِّلون مشكلة كبيرة، لأن معظمهم لا يحمل أي أوراق ثبوتية، مما يتعذر معه الاستدلال عليهم عند الطلب في حالة ارتكابهم أي جريمة، وأنهم يقومون بالسرقة والنشل ويميلون لافتعال المشاكل مع سكان الحي لأبسط الأسباب، وكثير منهم من أرباب السوابق.
خوف وترقب
ويشير سعود السبيعي وهو أحد السكان القدامى في الحي إلى أن الكثير من السكان صاروا يخشون الخروج من بيوتهم، لاسيما في أوقات متأخرة من الليل، وذلك خشية الدخول في مشاكل مع هؤلاء الوافدين، ويقول: حياتنا أضحت جحيماً، فهؤلاء ليس لديهم ما يخسرونه، وهم على استعداد للتعارك مع أي شخص ولا يهمهم شيء. أصبحنا نخشى على أطفالنا وبناتنا ونحرص على عدم خروجهم بمفردهم إلى الشارع.