نحن بحاجة إلى قياديين ومديرين يعملون على إدارة مختلف القطاعات والمؤسسات بنوع من الوعي القيادي، والمشاركة الفعلية للآخرين، وبنوع من المرونة المنضبطة
الإدارة علم، وفن، فهي علم لأن لها أهداف، وأسس، ومبادئ، وتتضمن التخطيط، والتنفيذ، والتقويم، وهي فن لأنها تتطلب إحساسا، وشعورا من نوع خاص يتمثل في تحمل المسؤولية، ومقدرة خاصة للتعامل مع الآخرين، أما القيادة فلها مواصفات متخصصة، ومهارات فطرية، وأخرى مكتسبة، وتختلف مواصفاتها عن مواصفات الإدارة، وهنا لا بد أن نميز بين القائد والمدير؛ فهناك مدير يعمل على إدارة الجهاز الذي يعمل به بفعالية، وهذه الفئة تمتلك بعض مهارات الإدارة، وبعض سلوكيات وقدرات القيادة، وهناك مدير تديره المؤسسة التي يعمل بها، وليس له تأثير كبير على العمل بهذه المؤسسة بشكل واضح في الجوانب التطويرية، أو غيرها من الجوانب، وهناك مدير يدير المؤسسة وحده في معظم الأوقات بطريقة تقليدية، وقد يساعده شخص، أو مجموعة قليلة من الأشخاص في تلك المهمة من المقربين منه، وممن يثق بهم، وللمدير التقليدي صفات عديدة من أهمها: أنه يعمل بصورة تتصف بالثبات، وعدم الديناميكية، ويفضل البقاء على حال واحد، وفي الغالب لا يشجع التطوير، أو التغيير، بل قد يعمل ضدهما؛ لأنه من مقاومي التطوير، والتغيير، بل من أعدائه، كما أن هذا النوع من المديرين لا يعمل على المساءلة، والتقصي في كثير من الأوقات، بل يثق في شخص، أو أشخاص محدودين جدا، ويأخذ بآرائهم دون تأكد مما يقدمونه، ومن دون تحقق، ويستسلم للواقع، ويقبله كما هو، وإذا كان لديه أسئلة؛ فإنها لا تتعدى أن تكون استفسارية: متى حدث هذا؟ وكيف حدث ذلك؟ كما أن هذه الفئة تعمل بشكل يومي على تحقيق المعايير، وتطبيق الأنظمة، واللوائح حرفيا، وتركز على الإنجاز الآني، أو النتائج اليومية فقط، وتغرق في حل المشكلات، وتذليل الصعوبات التي قد تواجه القطاع الذي يديره، ولا يقوده، كما لا تركز على المستقبل بدرجة كبيرة بل قد تتخوف من الغد القريب؛ لأنه لا توجد لديها رؤية واضحة، ومحددة المعالم، أو رسالة تريد أن تحققها، ونظرتها للأمور لا تتعدى المدى القريب، وتتصف بالمركزية المفرطة، وعدم توزيع الصلاحيات، ونزع الثقة ممن يعمل معها، وتوظف السلطة التي اكتسبها من المنصب، أو المركز الذي يشغله بشكل كبير.
وفي كثير من الأوقات المدير التقليدي يدير العاملين معه بالتهديد من خلال سلطته المكتسبة، ويفرض رأيه وحده، ولا يحترم رأي الآخرين في كثير من المواقف، وإذا تمت مناقشته بالمنطق، أو محاجته بالحجة، والبرهان، والمنطق يكاد يغرق في كوب من الماء، وهو في الغالب يقلد الآخرين، ولا يتصف بالإبداع، أو الابتكار، ولا يمتلك مهارات وأساليب المبادرة التي تتطلبها الإدارة بمفهومها الحديث.
وهذه الفئة من المديرين لا تتحمل المسؤولية بالشكل المطلوب، بل ترجع التقصير، أو العجز، أو الفشل لمن يعمل معها، وليس لها قدرة على قبول التحديات، أو مواجهة المخاطر، بل تتجنبها كلما أمكن، وتعمل على تصيد أخطاء الآخرين، وتبحث عن تقصيرهم لكي تأخذها حجة لمحاسبتهم، وكثير من المديرين يتخلون عن الصفات الأساسية للإداري الناجح، ويمارسون الإدارة بنظرتهم لها فقط التي تجعلهم يقعون في شراك التقليدية في الإدارة.
وفي الجانب الآخر من المعادلة القائد الذي يقود المؤسسة، أو الجهاز الذي يعمل به بالإضافة إلى إدارته، فهو قائد ومدير في الوقت نفسه، وسمة القيادة لها جانبان: الجانب الأول جانب فطري لدى القائد، والجانب الآخر جانب يكتسبه من خلال تعلمه، وممارسته، وخبراته الحياتية المختلفة، فيطلق على الشخص بأنه قائد سواء كان يعمل في إدارة، أو قطاع، أو لا يعمل في أي مؤسسة، بل يمتلك صفات القائد، ولديه القدرة على التأثير في الآخرين، وتعديل سلوكياتهم، وتوجيهها نحو تحقيق الأهداف المرغوبة، والقائد يكتسب سلطته القيادية من خلال قدرته على التعامل مع الجميع، ولم شملهم، بأسلوب مقنع، ويشارك العاملين معه، ويوزع المهام، والمسؤوليات عليهم، وهنا يعتمد عليه الآخرون في كثير من الجوانب، وللقائد العديد من الصفات التي من أهمها: الرغبة المستمرة في التطوير المقنن، والتغيير في حالة الحاجة له، ويتصف أيضا بالقدرة على الإبداع، والابتكار، وامتلاك روح المبادرة في العديد من الجوانب، والقيادة الناجحة تتطلب المناقشة، والتحقق من الأشياء، وأسباب حدوثها، وتعمل على إثارة العديد من التساؤلات التي تحتاج إلى إجابات متنوعة، ومختلفة.. والقائد لديه نظرة مختلفة لمن حوله في العمل فيركز على العاملين معه، ويمنحهم الثقة، ويهتم بهم، ويحقق التواصل معهم، ومع الآخرين، ويؤثر في جميع من حوله، فهو بذلك يركز على الإنسان لا على النظام، ولا يتحدث كثيرا، ويكون مستمعا في أغلب الأوقات للآخرين، ويحترم آراءهم، وتوجهاتهم، وبذلك فهو يعزز الانتماء للمؤسسة التي يعمل بها.
وهنا أرى أنه قد يكون كل قيادي مديرا ناجحا، وليس بالضرورة أن يكون كل إداري ناجح قياديا، وفي مختلف القطاعات والمؤسسات والإدارات نجد أن هناك مديرا وقياديا ناجحا، ولكن يغلب على المناصب الإدارية التقليدية، والمركزية، التخوف من الآخرين، وهذا يجعلنا بحاجة إلى قياديين، ومديرين يعملون على إدارة هذا المؤسسات بنوع من الوعي القيادي، والمشاركة الفعلية للآخرين، وبنوع من المرونة المنضبطة، وقد يكون من المناسب أن أهمس في أذن كل إداري تقليدي أنه في حالة تركه للإدارة فلن يسأل عنه أحد ممن عمل معه نتيجة لتعامله معهم، أو حتى في المجتمع، وقد يعيش في عزلة، وبعيدا عن الآخرين؛ لأن طبيعة عمله كمدير كلاسيكي فرضت عليه ذلك، أما القائد الناجح فقد يكون على عكس ذلك، ولن يفقد الشيء الكثير بعد تركه للعمل، أو تقاعده.