إن المرأة الريفية لا تقل أهمية عن أخواتها من نساء المدن، فلقد تأخرنا كثيرا في التوجه إليها ومخاطبة احتياجتها
إن المرأة الريفية لا تقل أهمية عن أخواتها من نساء المدن، فلقد تأخرنا كثيرا في التوجه إليها ومخاطبة احتياجتها، علما بأننا لو قمنا بتحسين أدائها وتأهيلها لإدارة المشاريع الأسرية والصناعات الريفية، إضافة إلى العمل على تخطيط وتنفيذ برامج تأهيلية وتدريبية لتوضيح وتفعيل المفاهيم البيئية والتسويقية والصحية والثقافية لديها، فسوف لا نرتقي بها فقط بل سوف نخلق سوق عمل جديد في محيطها، إضافة إلى أننا سوف نرتقي بكل مكونات الريف البشرية والاقتصادية من خلال الارتقاء بنوعية الأعمال التي ستمارسها المرأة، فإذا ما نظرنا إلى خلفية العمل الزراعي ومشتقاته من تربية مواش وصناعات غذائية، إضافة إلى بعض الصناعات التقليدية التي تعتمد على أحد المحاصيل الزراعية، لوجدنا أنه بالإمكان تغطية حاجة السوق المحلية تلبيةً للمستهلك بأسعار مناسبة. نعم إنها مسألة ليست سهلة، وقد نجد الكثير ممن سوف يعارض هذا المشروع، كل يقدم أسبابه ويقدم قائمة بالعقبات التي ستعتبر تحديات بالنسبة لنا، وبما أنها تحديات فهي إذاً إشارة لنا بأننا نستطيع أن نعمل على تخطيها، فالمعروف أن مسألة تنمية المرأة الريفية بشكل خاص تتطلب مجهوداً وخبرات وإمكانيات قد لا تكون متوفرة بالشكل المطلوب لدينا، ولكن من أجل أن يتم النهوض بها بالشكل الصحيح يجب أن نبدأ العمل في هذا المجال ولو على نطاق ضيق، وإن كانت هنالك تحديات فلا بأس، كما واجهنا تحديات في غيرها من الأمور التنموية في بلدنا نستطيع بعون الله وإرادته أن نتخطى هذه أيضا.
لنبدأ بتحديد جمعية أو مؤسسة أو هيئة وطنية سعودية أو إدارة تسمى الإدارة العامة للمرأة والطفل، تعمل تحت مظلة فرع التنمية في وزارة الشؤون الاجتماعية، تعنى بشؤون المرأة والطفل، تنبثق منها طبعا عدة فروع، منها فرع تنمية المرأة الريفية، ومن هنا نستطيع أن ننطلق، بتحديد القرى التي تعتبر في أمس الحاجة للتنمية، وذلك من خلال إقامة دارسة معمّقة ودقيقة عن ماهية المشروعات التي تحتاجها كل قرية أو ريف على حدة، مثلا نبدأ بإجراء دراسة مسحية شاملة لنتعرف من خلالها على مدى تدني مستوى المعيشة ومعدل البطالة والأمية بين النساء في القرى، وبعدها يتم تحديد القرى التي هي بأمس الحاجة للتدخل، ومن ثم يتم تطبيق نموذج تمويل صغير للمرأة في تلك القرى، ولا ننسى المتابعة الحثيثة لقياس مدى فاعلية المشروع في تحسين المستوى الاقتصادي والاجتماعي للنساء المستهدفات، آخذين في الاعتبار كل المعوقات التي قد تتسبب في تعثر بعضهن، لأن ذلك سيساعدنا فيما بعد أن نعمم التجربة لتشمل بقية المناطق.
جمالية مشروع التمويل أنه ليس مشروعا خيريا تستلم المرأة المبلغ المطلوب وينسى أمرها، جماليته أنه يعمل على عدة أصعدة، يرتبط بشروط القرض الحسن، وطبعا قبل إعطاء هذه القروض، لا بدّ من المشاركة في دورة تدريبية، الهدف منها مساعدة المرأة الريفيّة في كيفية استغلال القرض في المشروع المناسب للتخلص من الفقر، أي تتعلم من خلالها كيف تدير المشروع بنفسها، من أجل البدء على الطريق السليم الذي سيؤمن بإذن الله استرجاع المبلغ، ليس من أجل التأكد من أنها ستفعل المشروع فقط بل أيضا من أجل الحفاظ على المبلغ الأساسي الذي سيتحول فيما بعد لتفعيل مشروع أمرأة أخرى في ريف نفس المنطقة أو منطقة أخرى، ولذا وجب هنا التركيز على المراقبة كي لا يصرف في احتياجات خاصة غير التي اتفق عليها، أو إلى جيوب بعض أولياء الأمور من أجل تسديد دين أو تلبية لمصاريف أسرية أخرى، ثم هنالك الربط بين التقدم للمشروع ومتابعة دروس محو الأمية، وإن كان هنالك أطفال، فيتم الربط أيضا بين المتابعة الصحية من تطعيمات وغذاء، أي بمعنى آخر أنه يربط بين التنمية الاقتصادية والتنمية الصحية والاجتماعية والثقافية، والناتج رفع المستوى المعيشي من خلال زيادة دخل الأسرة، وتدريب المرأة الريفية على الاعتماد على الذات واستغلال الظروف المعيشية في الأرياف من أجل خلق أسواق عمل جديدة، وقد تمتد لتصبح تكاملية بين قرية وأخرى.
وهنا يجب التنبيه لما قد تواجهه المرأة من بعض الصعوبات، مثل نظام كفالة القروض، والعراقيل الروتينية الخاصة بالتراخيص ببعض المشاريع الصغيرة، إضافة إلى صعوبة التسويق وتصريف المنتجات، هنا لا بد من تدخل إدارة المشروع والعمل مع الجهات المختصة في الوزارات المعنية من خلال اتفاقيات تتمخض عنها قوانين تشجع وتحمي تلك المشاريع، مثل الإسراع بإجراءات التراخيص إذا كان المشروع المطروح بحاجة إليها، وكل ذلك من أجل تذليل العقبات التي قد تتسبب في خنق المشروع في مهده، وليكن الهدف الأساسي هو الدليل والمرشد؛ النهوض بالواقع الاجتماعي والاقتصادي للمناطق الريفية عبر التخفيف من حدة الفقر والبطالة.
إن القيام بمثل هذا المشروع لا يتطلب سوى الإرادة الجادّة من كافة الأطراف المعنية، نستطيع أن نبدأ بمبلغ تأسيسي صغير ويدعم بخريجات من أقسام عدة من نفس المناطق، ومن ثم يتوسع تدريجيا إلى أن يشمل جميع القرى على مستوى الوطن، قليل من الأمل والكثير من العمل وما التوفيق إلا من عند الله.