كنت أراهن على حب الطلاب واحترامهم ومساعدتهم، وكنت أراهن على إقناعهم بأني سأساعدهم ولكن دون أن أؤذيهم. يحب الطلاب المدرس الذي يتساهل معهم في الغش وغيره أثناء دراستهم ولكنهم يحتقرونه بعد تخرجهم
في صيف 2003 انتقلت من حائل إلى الرياض، المدينة التي عشت فيها من طفولتي المبكرة إلى أن أنهيت دراستي الجامعية. قبل بداية الدراسة تقوم عادة إدارة التعليم بمقابلة المعلمين المنتقلين للرياض وتوجههم للمدارس حسب الاحتياج والرغبة والواسطة. كانت رغبتي في ثانوية الحاير، ضاحية الرياض الجنوبية، لم ينافسني أحد عليها فتم توجيهي لها بسهولة. تم توجيهي للمدرسة الثانوية التي تخرجت منها سنة 1995 وها أنا ذا أعود لها معلما. الحاير قديمة قدم منفوحة والدرعية والعيينة وتمثل بوابة جنوبية مهمة للرياض. تركيبتها الاجتماعية متنوعة من سكانها القدماء وغالبهم من قبيلة سبيع وعدد من الأسر اشتغلت في زراعة النخيل تحديدا. لاحقا تنوعت التركيبة السكانية أكثر لعدة أسباب منها أن عددا من المنتقلين من القرى أو البادية للرياض يفضّلون السكن في الضواحي الأقل حدّة من المدن من ناحية طريقة العيش والزحام ومن جهة أخرى لانخفاض الأسعار فيها مقارنة بالمدينة.
مع أيامي الأولى في ثانوية الحاير وصلتني ثلاث رسائل ربما توضح لنا الحالة القائمة أو على الأقل الحالة التي واجهتني. الرسالة الأولى كانت من الطلاب ومضمونها أنهم سعداء بوجود مدرّس من أهل الحي وأنهم يتوقعون أن أكون أكثر تعاونا ومساعدة. بالنسبة للكثير من الطلاب هذا التوقع يعني أن تتساهل معهم في الغش في الاختبارات. أن تكون واسطة لهم عند معلمين آخرين. أي باختصار أن تكون ابن الحي المستعد للقيام بأي شيء من أجل أهل حيّك ولو كان على حساب معان أخلاقية ومهنية كثيرة.
للطلاب، ومن اليوم الأول، قلت سأسخّر كل وقتي وجهدي لمساعدتكم ولكن بطريقة أخرى. ما تطالبون به هو أذى لكم ولي ودمار يجب أن ينتهي. طبعا هذا الرد يمكن أن يهدد علاقتك مع الطلاب حين يشعرون أنك لا تهتم بهم أو أنك منغلق على دور تقني كمعلم. كنت أراهن على حب الطلاب واحترامهم ومساعدتهم ومساعدة نفسي للخروج من هذه المعادلة المرسومة سلفا. كنت أراهن على إقناعهم تماما بأني سأساعدهم ولكن دون أن أؤذيهم. يحب الطلاب المدرس الذي يتساهل معهم في الغش وغيره أثناء دراستهم ولكنهم يحتقرونه بعد تخرجهم ووعيهم بسوء سلوكه وأثره عليهم.
الرسالة الثانية كانت من المعلمين وهي رسالة محبطة. باختصار رسالة دعوة لتحويل التعليم إلى عمل روتيني يسير بأقل طاقة ممكنة. أكبر الوقت يقضى في الأحاديث الجانبية والنميمة، أما الحديث عن التعليم فيكاد ينحسر في التذمّر من الأوضاع الحالية، من الوزارة ومن إدارة التعليم ومن الطلاب. ما لاحظته سريعا هو النظر إلى الطلاب على أنهم جناة ومذنبون لا على أنهم ضحايا لظروف قاسية خفضت مستواهم التعليمي وأحيانا الأخلاقي.
ستكون هذه النقطة تحديدا محور نقاش طويل بيننا كمعلمين. في المقابل كانت هناك نظرة استغراب عامة من معلم تربية إسلامية غير ملتح وطويل الثوب وحريص على الوقت ويحضر لحصصه من بدايتها لنهايتها. الصورة النمطية لمعلم التربية الإسلامية أولا شكله وهيئته وثانيا تراخيه في عمله واستغلاله لمكانته الدينية في إيجاد ألف عذر وعذر للتأخر عن عمله والتهاون فيه. كانت رسالة المعلمين تطلب مني الانخراط في الوضع القائم في بيئة عمل تفتقد الحافز والقناعة.
الرسالة الثالثة التي وصلتني كانت رسالة اجتماعية. أو تحديدا كانت من الجماعة الأكثر نشاطا اجتماعيا أو ربما الوحيدة الناشطة الاجتماعية وهي جماعة المطاوعة. بعد وصولي بأيام زارني في منزلي أحد الشخصيات الشهيرة في الحي. مدرس حلقة تحفيظ اشتهر برعايته الأبوية لطلابه في الحلقة لدرجة أنه يسير بعصاه في الشوارع ليمنع طلابه من اللعب في الشارع والاختلاط بغيرهم من الطلاب وسط تسليم من أولياء الأمور. حضر الأخ الكريم ليقدم لي طلبا وعرضا. الطلب هو أن أقوم بمراقبة طلابه في التحفيظ المنتقلين للتو من المتوسطة للثانوية. طلب مني أن أراقب سلوكهم وأخبره بما يجري في المدرسة من أجل منع هؤلاء الطلاب من الاختلاط بالطلاب الفاسدين الذين سيفسدون عليهم تربيتهم. أما العرض فهو أن أنضم إلى نشاطاتهم المتنوعة حتى أذكر أنه وعدني بأن أنسى بيتي من كثر النشاطات والبرامج. أبلغت ذلك الأخ الكريم رفضي للطلب والعرض. بالنسبة للطلب، اعترضت على فكرة العزل التي يسعى لها الأخ وأخبرته أن دوري كمعلم يتمثل في دعوة الطلاب إلى الاندماج بالرغم من خلافاتهم الفكرية أو العرقية أو الطبقية. أخبرته أننا نعاني من انقسامات الطلاب ولا نريد أن نزيد من حدتها. أما العرض فقد اعتذرت عنه لانشغالي مع أهلي وقراءاتي إضافة إلى اختلافي مع طبيعة هذه النشاطات التي تحصر غالب دور أعضائها الفكري في الإنصات والاتباع والترديد وهو ما جئت هنا لمقاومته.
ترسم هذه الرسائل الثلاث ملامح البيئة التي سأعمل فيها الخمس سنوات اللاحقة. هنا، في الحاير، لم أعد أنوي النقل من هذه المدرسة، كنت أعد نفسي للاستقرار ولتجربة تراكمية. في حائل كان التنقل يحرمني من تراكم التجربة. لم أكن أتابع مع طلابي خطوات إضافية للأمام. اليوم أصبح من الممكن تأسيس علاقات عميقة مع الطلاب تمتد لثلاث سنوات في المرحلة الثانوية. كان جميلا رؤية الطلاب في الصف الأول الثانوي وهم في عزّ مراهقتهم ومرافقتهم في رحلة من التغيّر والتطور والتحول وصولا إلى شيء من النضوج في السنة الأخيرة. ستبدأ في الحاير رحلة حياة مع الطلاب ومع المعلمين. رحلة كاملة بمتعها وألمها وثرائها أعتقد أنها تستحق أن تروى.