جدة مدينة ضاربة بجذورها في التاريخ البعيد، تلتحف سواحل البحر الأحمر، عروسًا نجلاء، ليس كمثلها عروس، جدة أيقونة النهار، ونجمة الليل، ومدللة السهل والساحل الغربي، ومهما تعثر سيرها فهي كالفرس الأصيلة تلحق لتحتل مكانها ومكانتها الأولى بين كل المدائن.
كنت في دهشة متناهية وأنا أستمع إلى حديث أمين جدة صالح التركي، في لقاء مع برنامج الموقف، الذي يقدمه الإعلامي المميز طارق الحميّد،على القناة السعودية الأولى، حول خطة تطوير عشوائيات جدة. والقصة بدأت حينما أعلنت أمانة محافظة جدة مطلع نوفمبر 2021 انتهاءها من إعداد مشروع المخطط التنظيمي للمناطق العشوائية التي تغطي عشرات الأحياء، ثم قامت قبل أسابيع قليلة بالبدء الفعلي في تنفيذ خطة معالجة تشمل التطوير والتحسين والإزالة بهدف تحسين جودة الحياة في تلك الأحياء، والرفع من مستواها الحضاري والخدمي، ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، ولم يقتصر الأمر على التخطيط والتنفيذ، بل وضعت خطة للتعويضات، وإيجاد مساكن بديلة دائمة أو مؤقتة ، ولم يقتصر الأمر على هذا، بل ذكرت لجنة تنظيم الأحياء العشوائية تقديم حزم هائلة من الخدمات، والتي قدرت حتى الأسبوع الماضي بأكثر من 68 ألف خدمة لسكان الأحياء المزالة، شملت حتى نقل العفش، وتقديم السلال الغذائية والوجبات. ومع هذا كله كان الحدث فرصة واسعة ليمارس بعض خونة الوطن ما يجيدون دومًا وهو اللعب على قلق الناس ومخاوفهم، ونشر الدعايات الكاذبة والمضللة، وهذا الأمر لا يهم كثيرًا إذ إنَّ هؤلاء الشرذمة شذاذ الآفاق فقدوا مصداقيتهم حينما فقدوا شرفهم وكرامتهم بالارتماء في أحضان أعداء الوطن، غير أن ما يثير الأسى عندي هو تعاطي بعض المواطنين مع هذه الدعاية، والركون لها وعدم تكليف أنفسهم عناء البحث أو السؤال عن المعلومة الصحيحة ، فهذا في الأخير وطننا الذي يحبنا ونحبه. ومساهمة في إيضاح هذا الأمر، سأضرب مثالًا بأحد الأحياء ضمن خطة المعالجة، والذي بلغت المساحة المتاحة لعيش الفرد الواحد فيه أقل من 5 سنتيمترات مربع فقط، ومع معرفتي بطرق الإيواء الأفقية والعمودية، إلا أن هذا التكدس الرهيب للسكان البالغ قريبًا من 60 ألف نسمة في مساحة لا تتجاوز كيلوين ونصف الكيلو متر مربع، والذي مهما بلغت فيه طوابق الإيواء العمودية عددًا، فلن تتجاوز الثلاثة طوابق، هو أمر لا يمكن الوقوف حياله بلا عمل أو وضع حلول جذرية، ولا يمكن أن يقبل هذا الوضع في أي مدينة في العالم مهما كان الوضع متخلفًا وفقيرًا، فضلًا أن يكون في أحد أهم المدن السعودية والعربية، فهذا لا يليق بنا، ومن هنا جاء التحرك بحزم وعزم، وهما صفتا زمان الملك سلمان بن عبدالعزيزوأمير الحلم السعودي سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -أيدهما الله، والذي يتابع هذا المعضلة بشكل مباشر وبنفسه. وعشوائيات جدة التي تعاني من التهالك العمراني وانعدام المرافق العامة والخدمات، وقلة المنافذ إليها دخولًا وخروجًا، وضعف ارتباطها بالنسيج العمراني للمدينة، يجعلها بؤرة مغلقة ومسقوفة بسقف من العيش الفوضوي الذي يشبه حياة الغابة، وهذا يجعل من أخطر مخاطرها على البنية الاجتماعية شيوع ذهنية الإقصاء الاجتماعي ونفسيته كسمة من سمات ساكني تلك المناطق، فيفرض نمطاً حياتيًا، ينطوي على منظومة من الأخلاقيات والسلوكيات تفرضها سبل العيش على الهامش، وهذا مهدد للاستقرار الأمني والاجتماعي، فتلك التكتلات السكانية العشوائية تهديد للإنسان من الناحية الاجتماعية، والصحية، والأمنية لا سيما وأنها تشكل اليوم بؤراً لتجمع المجرمين، وإدارة الجريمة المنظمة بمختلف أنواعها، وبالتالي نشوء أجيال ذات عقول خصبة للجريمة، إضافة إلى نشوء شبكة من الأنشطة المشبوهة تفي باحتياجات قاطني تلك العشوائيات؛ لخروج تلك العشوائيات عن نطاق الخدمات الحكومية أصلا، أو لكونها عصية عليها، سواء كانت خدمات اجتماعية، أو صحية، أو تعليمية، أو أمنية، وهذا ما ذكره أمين جدة بوضوح. وتجربة المملكة في القضاء على العشوائيات، حصدت إعجاب كثير من المنظمات، لا سيما أن السعودية استحدثت مؤشرات لقياس تطوير العشوائيات، ودرست الممارسات العالمية في التعامل معها عبر طرق البحث العلمي لوضعها. وعمليات التطوير هذه ستعكس الوجه الحضاري إضافة إلى أنها ستحول تلك الأحياء من عشوائيات إلى مواقع حضارية على جميع المجالات والمستويات التي يحتاجها السكان من خلال إنشاء مواقع، ومجمعات، تعليمية وصحية وتجارية، وهذا سيشكل نقلة اقتصادية، وتنموية ترفع من قيمة الاستثمار في السعودية.
كما أن القضاء على العشوائيات، سيدعم نقل صورة عظيمة للسعودية ، تجذب السياح والمستثمرين، إضافة إلى النهوض بأخلاق الشباب وتحررهم مما تنقله هذه المناطق الموبوءة من تلوث أخلاقي، مما يسهم في تعديل المستوى المعيشي، ويمنح فرصة كبيرة في تحسين الحالة النفسية والاجتماعية لهم ولأفراد أسرهم.
أخيرًا، مع ما يقوم به مستشار خادم الحرمين الشريفين، أمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل -حفظه الله- من عمل دؤوب، وعظيم، وهو عرَّاب تنظيم العشوائيات والتخطيط الحضاري لها، إلا أنه يملؤني الفخر كثيرًا وأنا أرى الجهود المبدعة -والتي يتحدث فيها الفعل والإنجاز- من قبل الأمير بدر بن سلطان بن عبد العزيز -حفظه الله- نائب أمير المنطقة ، وهو يتابع هذا الأمر والمعضلة المفصلية والحساسة، وهذا يدعوني للاطمئنان على حاضر السعودية ومستقبلها في ظل توالد أجيال ممتدة من القيادات الخلاَّقة التي لا يقف في طريقها معضلة ولا مشكلة.
كنت في دهشة متناهية وأنا أستمع إلى حديث أمين جدة صالح التركي، في لقاء مع برنامج الموقف، الذي يقدمه الإعلامي المميز طارق الحميّد،على القناة السعودية الأولى، حول خطة تطوير عشوائيات جدة. والقصة بدأت حينما أعلنت أمانة محافظة جدة مطلع نوفمبر 2021 انتهاءها من إعداد مشروع المخطط التنظيمي للمناطق العشوائية التي تغطي عشرات الأحياء، ثم قامت قبل أسابيع قليلة بالبدء الفعلي في تنفيذ خطة معالجة تشمل التطوير والتحسين والإزالة بهدف تحسين جودة الحياة في تلك الأحياء، والرفع من مستواها الحضاري والخدمي، ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، ولم يقتصر الأمر على التخطيط والتنفيذ، بل وضعت خطة للتعويضات، وإيجاد مساكن بديلة دائمة أو مؤقتة ، ولم يقتصر الأمر على هذا، بل ذكرت لجنة تنظيم الأحياء العشوائية تقديم حزم هائلة من الخدمات، والتي قدرت حتى الأسبوع الماضي بأكثر من 68 ألف خدمة لسكان الأحياء المزالة، شملت حتى نقل العفش، وتقديم السلال الغذائية والوجبات. ومع هذا كله كان الحدث فرصة واسعة ليمارس بعض خونة الوطن ما يجيدون دومًا وهو اللعب على قلق الناس ومخاوفهم، ونشر الدعايات الكاذبة والمضللة، وهذا الأمر لا يهم كثيرًا إذ إنَّ هؤلاء الشرذمة شذاذ الآفاق فقدوا مصداقيتهم حينما فقدوا شرفهم وكرامتهم بالارتماء في أحضان أعداء الوطن، غير أن ما يثير الأسى عندي هو تعاطي بعض المواطنين مع هذه الدعاية، والركون لها وعدم تكليف أنفسهم عناء البحث أو السؤال عن المعلومة الصحيحة ، فهذا في الأخير وطننا الذي يحبنا ونحبه. ومساهمة في إيضاح هذا الأمر، سأضرب مثالًا بأحد الأحياء ضمن خطة المعالجة، والذي بلغت المساحة المتاحة لعيش الفرد الواحد فيه أقل من 5 سنتيمترات مربع فقط، ومع معرفتي بطرق الإيواء الأفقية والعمودية، إلا أن هذا التكدس الرهيب للسكان البالغ قريبًا من 60 ألف نسمة في مساحة لا تتجاوز كيلوين ونصف الكيلو متر مربع، والذي مهما بلغت فيه طوابق الإيواء العمودية عددًا، فلن تتجاوز الثلاثة طوابق، هو أمر لا يمكن الوقوف حياله بلا عمل أو وضع حلول جذرية، ولا يمكن أن يقبل هذا الوضع في أي مدينة في العالم مهما كان الوضع متخلفًا وفقيرًا، فضلًا أن يكون في أحد أهم المدن السعودية والعربية، فهذا لا يليق بنا، ومن هنا جاء التحرك بحزم وعزم، وهما صفتا زمان الملك سلمان بن عبدالعزيزوأمير الحلم السعودي سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -أيدهما الله، والذي يتابع هذا المعضلة بشكل مباشر وبنفسه. وعشوائيات جدة التي تعاني من التهالك العمراني وانعدام المرافق العامة والخدمات، وقلة المنافذ إليها دخولًا وخروجًا، وضعف ارتباطها بالنسيج العمراني للمدينة، يجعلها بؤرة مغلقة ومسقوفة بسقف من العيش الفوضوي الذي يشبه حياة الغابة، وهذا يجعل من أخطر مخاطرها على البنية الاجتماعية شيوع ذهنية الإقصاء الاجتماعي ونفسيته كسمة من سمات ساكني تلك المناطق، فيفرض نمطاً حياتيًا، ينطوي على منظومة من الأخلاقيات والسلوكيات تفرضها سبل العيش على الهامش، وهذا مهدد للاستقرار الأمني والاجتماعي، فتلك التكتلات السكانية العشوائية تهديد للإنسان من الناحية الاجتماعية، والصحية، والأمنية لا سيما وأنها تشكل اليوم بؤراً لتجمع المجرمين، وإدارة الجريمة المنظمة بمختلف أنواعها، وبالتالي نشوء أجيال ذات عقول خصبة للجريمة، إضافة إلى نشوء شبكة من الأنشطة المشبوهة تفي باحتياجات قاطني تلك العشوائيات؛ لخروج تلك العشوائيات عن نطاق الخدمات الحكومية أصلا، أو لكونها عصية عليها، سواء كانت خدمات اجتماعية، أو صحية، أو تعليمية، أو أمنية، وهذا ما ذكره أمين جدة بوضوح. وتجربة المملكة في القضاء على العشوائيات، حصدت إعجاب كثير من المنظمات، لا سيما أن السعودية استحدثت مؤشرات لقياس تطوير العشوائيات، ودرست الممارسات العالمية في التعامل معها عبر طرق البحث العلمي لوضعها. وعمليات التطوير هذه ستعكس الوجه الحضاري إضافة إلى أنها ستحول تلك الأحياء من عشوائيات إلى مواقع حضارية على جميع المجالات والمستويات التي يحتاجها السكان من خلال إنشاء مواقع، ومجمعات، تعليمية وصحية وتجارية، وهذا سيشكل نقلة اقتصادية، وتنموية ترفع من قيمة الاستثمار في السعودية.
كما أن القضاء على العشوائيات، سيدعم نقل صورة عظيمة للسعودية ، تجذب السياح والمستثمرين، إضافة إلى النهوض بأخلاق الشباب وتحررهم مما تنقله هذه المناطق الموبوءة من تلوث أخلاقي، مما يسهم في تعديل المستوى المعيشي، ويمنح فرصة كبيرة في تحسين الحالة النفسية والاجتماعية لهم ولأفراد أسرهم.
أخيرًا، مع ما يقوم به مستشار خادم الحرمين الشريفين، أمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل -حفظه الله- من عمل دؤوب، وعظيم، وهو عرَّاب تنظيم العشوائيات والتخطيط الحضاري لها، إلا أنه يملؤني الفخر كثيرًا وأنا أرى الجهود المبدعة -والتي يتحدث فيها الفعل والإنجاز- من قبل الأمير بدر بن سلطان بن عبد العزيز -حفظه الله- نائب أمير المنطقة ، وهو يتابع هذا الأمر والمعضلة المفصلية والحساسة، وهذا يدعوني للاطمئنان على حاضر السعودية ومستقبلها في ظل توالد أجيال ممتدة من القيادات الخلاَّقة التي لا يقف في طريقها معضلة ولا مشكلة.