في حفل تكريم الخريجين لمبتعثي أميركا، أكتب كراصد لفترات من الابتعاث جعلتني أتنفس مقولة (بين الأمس واليوم)، لأنني أؤمن بأن العمل الجاد الدؤوب سيبقى ويؤتي ثماره حتى لو اختلف عليه الوقت والبشر معاً!

تيسر لي حضور محاضرة للملحق الثقافي بأميركا الدكتور محمد العيسى بعنوان الابتعاث آمالٌ وتطلعات ضمن فعاليات معرض الكتاب لهذا العام في مدينة الرياض. وللأمانة كانت المحاضرة تكاملية، احتوت على عناصر الوضوح والشفافية نحو الحقيقة. ولأن الحقيقة لا تقبل أنصاف الحلول أو إسقاطات أو درء شبهات فكانت (الأرقام) لغةً واضحةً يقرؤها الجميع ويشارك في معانيها وأبعادها كل الدراسات المنطقية والبحثية. كان مبتعثو أميركا (كالعادة) يتصدرون مشهدها المتقدم متماهية مع وصف الابتعاث كرسالة تاريخية وبرنامج عبقري. ومنها سأنطلق إلى مناسبة حفل تكريم الخريجين لمبتعثي أميركا والفعاليات المصاحبة له والذي يقام مساء اليوم. أكتب هنا كراصد وشاهد عصر على فترات من الابتعاث في أميركا تحديداً، جعلتني أتنفس مقولة (بين الأمس واليوم)، لأنني أؤمن بأن العمل الجاد الدؤوب سيبقى ويؤتي ثماره حتى لو اختلف عليه الوقت والبشر معاً!
ولعلي هنا أرصد بعضاً مهماً من (كل) لإنجازات ملحقية أميركا.. فعندما بدأ برنامج الابتعاث كان من أهم مشكلاته قبول الأطباء السعوديين في برامج الزمالة – البورد الأميركي – فبدأت بـ 10 أطباء فقط و(صفراً) من الاتفاقيات مع الكليات الطبية المتخصصة وفروعها، ليصل العدد الآن إلى 1500 طبيب وطبيبة، و150 اتفاقية مع مستشفيات وكليات وأقسام طبية.. مسؤول عنهم قسم (متخصص) في الملحقية يعمل فيه 14 موظفاً. كان حل مشكلة التأمين الطبي والعلاج لجميع المبتعثين ومرافقيهم نقلةً نوعية مع انتقال مبنى الملحقية (المستأجر) من واشنطن العاصمة إلى منطقة (فرجينيا) ليكون معلماً سعودياً يليق بالمملكة وأبنائها في أميركا.
أما العمل الثقافي فقد شهد نقلات عبر عدة قنوات، كإصدار مجلة (المبتعث) المتوقفة أعواماً وعودتها بمهنية عالية، وتوسع الأندية الطلابية بشكل مذهل تجاوز المئتي نادٍ، أُعطيت فيه المبتعثات مساحات لرئاسة الأندية، مع تفعيل احترافي واندماج يبدأ من الانتخابات ومساحات الحرية للأندية باختيار برامجها، وبدعم لأنشطتها ومؤتمراتها لتشكل الأنشطة التعريفية بالمملكة وثقافتها جزءاً من منظومة العمل الثقافي، كقافلة الابتعاث ومعارض الفوتوجرافيين والتشكيليين السعوديين.
وفي يوم – تكريم الخريجين السنوي - تجد التطور في العمل التكاملي ولمسات الفريق الواحد واضحةً، بدءاً من رافد الابتعاث (يوم المهنة) والذي تتسابق فيه اليوم أكثر من 75 شركةً سعودية بدءاً من أرامكو والخطوط السعودية وسامبا.. إضافةً إلى جامعات المملكة جميعها دون استثناء، ومشاركات للقطاع الحكومي كوزارة الخارجية والصحة.. ينافسها القطاع العسكري متمثلاً في وزارتي الداخلية والدفاع.. أما رعاة الحفل فتجدهم يتسابقون لدعم هذه التظاهرة الفريدة المكونة من 6000 خريج وخريجة من جميع التخصصات، يتقدمهم بكل فخر 22 مخترعاً يحمل براءة اختراع أو تميزا.. دفعهم قسم (جديد) في الملحقية للمتميزين. الفعاليات المصاحبة تجدها خليطاً من ورشات عمل، ومحاضرات يُستضاف فيها نماذج سعودية ناجحة وفريدة يتقدمها مهندس الابتعاث وراعي الحفل وزير التعليم العالي الدكتور خالد العنقري وسفير خادم الحرمين لدى أميركا عادل الجبير.. هذه الأعمال المتطورة في الملحقية دائماً هي التي تقدم نفسها. ولأن النجاح لا يقاس بالموقع الذي يتبوأه المرء في حياته بقدر ما يقاس بالصعاب التي يتغلب عليها، فذلك يجعلني هنا أتوقف عند قامة تمتلك رؤى مميزة في التطوير ووميضاً لمستقبل أبناء الوطن ومبتعثيه، وعندما لا تكتب تزلفاً أو تطبيلاً تجزم أيضاً بأن حجم الملحق الثقافي محمد العيسى ليس بحاجة لحجج بقدر ما أننا بحاجة إلى تجربة تستحق!
ملحق ثقافي، وأنموذج مضيء بخلقه وعطائه والتزامه، نشأ بهويةٍ متألقة لصناعة مستقبل الملحقية الثقافية في أميركا، فتحَ عينيه على عملها فتعمق في بحورها لتقوده إلى تدرج مثالي، بدءاً من مشرف دراسي ثم مستشار ثم ملحق، فلمس الكثير (حقيقة) عطاءاته وحجم إنجازاته.. تجده في مكتبه صباحاً، يفتح معه أبواب الملحقية وشعور المسؤولية والمواطنة معاً، يبهرك ركضه وحزمه أحياناً، يتحرك في كل الولايات الأميركية.. أدار عدة ملفات ومسؤولية 138 ألفاً من المبتعثين ومرافقيهم، بمثالية واقتدار تحفها المواطنة والعمل المجيد لوطنٍ لا ينضب من المخلصين.
وعندما كانت الشجاعة والإخلاص في العمل يعلمان الإنسان الفخر بالاعتذار أكثر من محاولة (الكثير) في الاستماتة بكل قوة للدفاع عن خطأ - حتى لو لم يك مقصوداً أو ليس له فيه ذنب - يكون الاعتراف علامة قوة تجعل من القائد ناجحاً يمتلك المقدرة على حفظ الاتزان لحظات الطوارئ والأزمات، تعينه على حلها، كما كان إبان مشكلة إدخال برنامج (البوابة الإلكترونية) ومرحلة إرباك العمل في الملحقية، فكسر (محمد العيسى) كثيراً من الحواجز باعتذاره الشجاع وأخذ المشكلة إلى مرحلة استقرار شهد بها الجميع، ثم انطلق لمسيرة التطوير وخطط تحسين لم تتوقف، وأجزم أنها لن تتوقف! لأن إشراك المبتعثين واحتواءهم وتبني أفكارهم جزء مهم لا يتجزأ من منظومة الملحقية في استقطاب المتميزين منهم في عدة لجان، كالدعم والمساندة والأداء والجودة والنوعية والتي أصبحت نواة لإدارة داخل الملحقية، عملها الإشراف الدقيق على كل ما يقوم به العاملون داخل الملحقية مع معاقبة المقصرين وتكريم للمتميزين عبر تقييم المبتعثين لهم.
تلك الهامة الوطنية مُنحت صلاحياتٍ ومنصباً هي أهلٌ له، فتجلى عمله مع زملائه (المخلصين) في الملحقية بإنارة شمعة يحملها لتكشف مناطق معتمة من نسيجنا في التعميم، فصنع رؤيةً، وقدم دروساً في العمل الجاد وتطويره.. بقي أن نبارك لكل الخريجين وذويهم ولوطن الخير بهم جميعاً.