صناع الثقافة ليسوا من يقبع في ردهات الفنادق ذات الخمسة نجوم، وإنما هم هناك بين أرفف المكتبات لا يعلم عنهم أحد، ولا يجدون متنفسا لأفكارهم إلا من إهداء إبداعاتهم لدور نشر تستغل ذلك فيهم بدون مقابل
سئل أعرابي عن الحضارات وسر تقدمها، فارتاع الأعرابي من هول السؤال فوكز ناقته وهرول ثم أقبل وفكر، وقال كما قال أبي رحمة الله عليه: الكلام له راس وله رجلين ولكل أمة رأس، ولها أقدام، فإن مرض الرأس تقوست الأقدام. فالرأس من وجهة نظر الأعرابي هو هدف لتقويض الجسم أو انتعاشه، ومما لا شك فيه أن الرأس يحتاج إلى كثير من الطاقة كي ينير، فما وضعت العقول بأعلى الأجساد فى الرؤوس إلا لتنير الطريق, وإذا نظرنا لمقولة الأعرابي ورؤيته الاستراتيجية الفطرية لصنع الحضارات وتاريخ الأمم وجدنا أنه قد اهتم بالرأس لصحة الجسد، وبمنظورنا نحن نتفق معه أن الكلام له رأس وله أقدام، في حين أن الأمة لها رأس ولها أقدام، وإذا نظرنا لانعكاس الكلمة وجدنا أن رأس الأمة في مفكريها وعلمائها فإذا ما اضمحل الرأس تضاءل الجسد وتقوست الأقدام.
إن الفكر العالمي وحتى العربي المستنير لم ولن يسطع إلا إذا عني بالصناعة، فنحن نسمع الآن بمصطلح تسويقي جديد وهو مصطلح وافد وهو (صناعة النجم). وإذا كان النجم يصنع بالإعلام وفنون الإتكيت واستحداث أخبار وكل ألوان الضجيج الإعلامي، فإن المفكر يحتاج أيضا إلى صناعة، ولكنها صناعة من نوع آخر، صناعة الرأس، تلك الكرة الرابضة بين أذنية، ومن أهم صناعة المفكرين، ألا ندعهم يتسولون بأقلامهم، فما أشقى من يأكل بسن القلم فالحرة لا تأكل بثدييها.
لقد زارني أحد الكتاب في مكتبي وقد أتى من إحدى الدول العربية خصيصا ـ وهو من أحد الشعراء البارزين ومن الدرجة الأولى في مجال الشعر وعلم من أعلامه ـ لا لشيء سوى أنه يعرض عليّ بيع مكتبته الخاصة ـ فمن العبث أن تقع في يد بقال أو بائع فلافل وهو يعلم مدى قيمتها ـ لكي يتمكن من الإنفاق على بيته وأسرته، قد يقول قائل إن الإبداع يخرج من رحم المعاناة، ولكنني أقول له إن الرأس لا تعمل والبطن خاوية، وهذه حقيقة علمية.
إن صناع الثقافة ليسوا من يقبع في ردهات الفنادق ذات الخمسة نجوم، وإنما هم هناك بين أرفف المكتبات لا يعلم عنهم أحد، ولا يجدون متنفسا لأفكارهم إلا من إهداء إبداعاتهم لدور نشر تستغل ذلك فيهم بدون مقابل.
والثقافة لا تنحصر على من يجيدون فنون الكلام ويقرؤون الكتب، بل كل سلوك إنساني يسلكه الفرد، من ملبس ومأكل وإدارة حوار واحترام الآخر واتساع الأفق، وما أوسع طرائق الدين الحنيف في جوانبه الثقافية، إنها الأخلاق، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، والأخلاق لا تصدر إلا عن وعي ومعرفة.
ما أحوج أمتنا لأصوات أبنائها وأقلامهم في عصر اختلط فيه الحابل بالنابل على جميع المستويات السياسية والاجتماعية والفنية والثقافية وحتى الأخلاقية، بينما نجد من يلقي باللوم على دور المثقفين والمفكرين والعلماء ويبحث عن كل دخيل أو مستعرب. وحين تتأزم الأمور يبحث عن دور هؤلاء إما طلبا للتعاون والتنوير وإما للوم والاستهجان، ونرى المؤتمرات تضج بمصطلح (التفعيل) على كل الأطر بدون جدوى.
أي دور يقوم به هؤلاء في مناخ يفوح بالعجز عن صناعة المفكرين؟ بل والتواصل معهم ومنحهم حقوقهم المعنوية والثقافية والاجتماعية في زمن نجد أن الساحة الثقافية تضج بالمتثاقفين وأنصاف المتعلمين والموهوبين واقتصرت الصناعة على الكلبّات الفاضحة، أو أرباب المصالح، يتساوون في إلقاء الكلمات، وهناك فرق بين خطاب الرأس والجسد. فالكلمة إن صدرت من الرأس حتماً ستصنع فكراً، وإن صدرت من الجسد كانت مستعارة، ويسقط القناع وتضيع القضية في المفازة.
إن هذا يذكرني بشاعر ضجت به القنوات، حضر للقائه التلفزيوني ثم رحل مترجلاً، لأنه لا يجد أجرة التاكسي، بل هجره أهل حارته لأنه لم يذكر اسم الحارة في التلفزيون.
كما أذكر ذلك الحوار الذي جمعني مع أحد المسؤولين حينما سألته لماذا تهتمون بصناعة لاعبي الكرة وتأمين معاشهم بالرغم من أن أصحاب الرؤوس هناك بين أرفف المكتبات؟ فأجابني قائلا: لأن لاعب الكرة يعتزل أما المفكرون فهم دائمون! وكأنه محتم أن يقضوا حياتهم هملا. ومع احترامنا لدور الرياضة، إلا أن الكلمة لا بد أن تصدر من الرأس لا من القدم، فازدهار الواحدة يأتي على أنقاض الأخرى، فحين ازدهرت الرياضة لدى الرومان كانت ثقافتهم الرعونة والصلادة والمصارعة وإطلاق الوحوش المفترسة على المحكوم عليهم في حلبات الفرجة، بينما يستجلبون الرؤوس اليونانية لاستدرار الفكر آنذاك.
إن هذا العالم العربي مليء بالعطاء والموهوبين والمفكرين إذا رحمه الله من آفة (الشللية) والمجاملين والمنتفعين والابتعاد عن مفهوم الانحدار الثقافي وجلد الذات وكل الدعوات الدخيلة التي تجذر فينا الوهن والضعة - وهو إحساس حُقن تحت جلودنا ونحن منه براء - فالقوة تولد من رحم الإحساس بالتفوق للوصول إلى نشوة الانتصار.
إننا نجد (إيهود أولمرت) في خطابة أمام الكونجرس يتفاخر بأن إسرائيل وطن العلماء والمفكرين وأرباب جائزة نوبل، بينما نرى مسؤولا عربيا يصرح في الولايات المتحدة الأميركية بأن مواطنيه لا يزالون في حالة من المخاض الفكري بل يجهلون الكثير من قضاياهم. حينها وكز الأعرابي ناقته وأدبر وقال: الكلام له راس وله رجلين.