تصدر خبران مهمان الساحة الإعلامية السعودية خلال الأسبوعين الماضيين، وحازا على أكثر الموضوعات حواراً ومناقشة، الأول هو قرار مجلس الوزراء السعودي بقصر الممارسة الصحفية على المنتسبين لـهيئة الصحفيين السعوديين، والثاني هو تأسيس جمعية كتاب الرأي السعوديين.
بالنسبة للخبر الأول، فقد أوضحت هيئة الصحفيين السعوديين أن قرار مجلس الوزراء يشمل المتفرغين والمتعاونين، بما في ذلك كتّاب الرأي، ولا أعلم صحة هذا التفسير الذي يعني أن القرار ملزم حتى للكتاب الذين لا يمارسون الصحافة فعلياً بالانتساب إلى هيئة الصحفيين! على أي حال يفترض بهيئة الصحفيين أن تبدأ مرحلة جديدة لاستيعاب هذا القرار الذي جاء بعد عدة سنوات من التساؤلات المزمنة حول جدوى الانتساب للهيئة، ومدى قدرتها على حماية حقوق الصحفيين، ومدى أحقية جميع الأعضاء المنتسبين بالترشح والتصويت، فنظامها الحالي يقصر الترشح والتصويت على الصحفيين المتفرغين؛ مما يهمّش بالتالي دور بقية المنتسبين من غير المتفرغين، ويحدّ من إسهامهم في العملية الانتخابية للهيئة التي يفترض أن تكون الممارسة فيها فاعلة وبنّاءة، وتستوعب كل المنتسبين من خلال الجمعية العمومية دون تفريق؛ فمعروف أن عدد المتفرغين للصحافة قليل بالنسبة إلى الذين يزاولونها كمتعاونين، وهناك قامات صحفية سعودية محرومة من حق العضوية نتيجة تفريق اللائحة بين المتفرغ والمتعاون!
إن المتطلبات والمتغيرات التي نمر بها اليوم في عصر الإعلام الجديد ووسائطه المتعددة، تلزمنا بإتاحة هامش من التعبير، واستيعاب الطاقات الشابة في بلاط صاحبة الجلالة. وبما أن الصحافة الحديثة أصبحت متعددة الفضاءات والأقنية فإنها ما تزال (سلطة رابعة) لما تمثله من رقابة على سلوك المجتمع وأداء مؤسسات الدولة. وهذه السلطة لا تتحقق دون ضمان الحركة وسلاستها في الهامش المناسب.
أما الخبر الثاني الذي أشرتُ إليه آنفاً فهو موافقة وزير الثقافة والإعلام على تأسيس جمعية كتاب الرأي السعوديين رأي، بمبادرة مشكورة من لجنتها التأسيسية، إلا أن الرؤية حيالها ما زالت غير واضحة، غير أن التصريحات التي صدرت عن لجنتها التأسيسية مطمئنة، ونتمنى أن تكون هذه الجمعية أكثر فاعلية من غيرها، نظراً لأهمية إسهامات أعضائها في تشكيل الرأي العام من خلال الصحافة السعودية. وهنا تأتي أهمية (تداول الرأي) بين المنتسبين المفترضين (الكتّاب) واللجنة التأسيسية من أجل صياغة لائحة تمنح هامشاً واسعاً من الممارسة الانتخابية، واستيعابها للمتغيرات والاختلافات والتوجهات دون إقصاء أو تهميش، وأن تُعتمد لائحتها التأسيسية على النقاشات المشتركة من خلال ورش عمل خاصة تخرج بتصور نهائي للائحة، بعد الاستفادة من لوائح الجمعيات الأخرى الداخلية والخارجية، ومن ذوي الخبرات الإعلامية والقانونية، مع الأمنيات ألا يكون مصيرها مثل كثير من الجمعيات المهنية الأخرى التي توقف بعض أعضائها عن الاستمرار في عضويتها لما رأوه من أنه لا طائل منها.
وعلى الرغم من استمرار الحلم بإنشاء اتحاد للكتاب السعوديين، وهي الفكرة المطروحة منذ سنوات، إلا أن تأسيس جمعية كتّاب الرأي السعوديين رأي مؤشر مهم على تنامي الوعي بأهمية المجتمع المدني، وهي المرحلة الجوهرية التي أتمنى أن نصل إليها من خلال اعتماد مشروع نظام المؤسسات والجمعيات الأهلية الذي طرحه مجلس الشورى قبل عدة سنوات.
وحتى إقرار المشروع المذكور.. فإن فكرة إنشاء جمعية كتاب الرأي فكرة جيدة بلا شك، والموافقة عليها رأي سديد ودعم مهم للكتاب السعوديين، ولكن يبقى الدور الأهم وهو دور أعضاء الجمعية أنفسهم، وخاصة أن اللجنة التأسيسية للجمعية قد أبدت تفهماً جيداً لانتهاء دورها عند الحصول على الموافقة الرسمية على التأسيس، إلا أن هذا لا ينفي دورها التنسيقي المستمر حتى إقرار اللائحة التأسيسية، ومن ثم انعقاد الجمعية العمومية، وانتخاب أعضاء مجلس إدارة الجمعية، فعند إتمام كل هذه الخطوات يبدأ التحدي الكبير وهو دور ومهام ومسؤوليات الجمعية والعمل على افتتاح فروع لها في مناطق المملكة.
ربما يكون لتأسيس جمعية رأي دور مهم في نشر ثقافة حقوق الكاتب وحمايتها، والإسهام بالارتقاء بالرأي الحر المسؤول في صحافتنا السعودية، وتعزيز قيمة الاختلاف والاستفادة منه في إثراء الثقافة المحلية. كما يمكن للجمعية أن تضطلع بدور ثقافي مهم من خلال تنظيم ورش عمل، وحلقات نقاش، ومؤتمرات داخلية ودولية. وبما أن طروحات الكتّاب في صفحات الرأي في الصحف السعودية يمكن أن تكون نتاجاً ثقافياً جيداً، فإنه يمكن للجمعية أن تسهم في دعم الثقافة السعودية، وأن تتيح لأعضائها الانخراط في لجان تهتم بنشر رأي الكاتب السعودي وتصديره إلى النطاقات العربية وغير العربية.. إلا أن كل هذه الأمور هي رهن الهامش المتاح، وهمّة الأعضاء كفريق عمل منتج، لما لكاتب الرأي من أهمية في تشكيل القناعات وصياغة الرأي العام.