كنت أعتقد أن من أولى مسؤولياتي أن أعمل جاهدا على ألا يفجّر أحد من طلابي في يوم من الأيام نفسه لأي سبب. كان هذا الهدف يعني الكثير من العمل والصراع داخل المدرسة

لن يتم فهم حكايتنا هنا بشكل جيد إلا إذا وضعناها في سياقها السياسي والاجتماعي خصوصا إذا عرفنها أنها جرت في فترة تعد من أهم الفترات وأكثرها حرجا في تاريخنا المعاصر.
11 سبتمبر 2001، وتفجيرات الرياض مايو 2003، وغزو العراق 2003، كانت علامات كبرى في هذا السياق. في المقابل كان دخول الإنترنت واتساعه فرصة للمجتمع في التعبير والحديث والنقاش بشكل عام. منتديات إنترنت مثل الوسطية، طوى، دار الندوة، الطومار، الحرية كانت الفضاء الذي تلتقي فيه الأفكار والتوجهات. وكعادة التفكير في الأزمات كان النقاش حادا بين الجماعات الفكرية سواء داخل التيار الإسلامي أو خارجه من التيارات الحداثية والليبرالية والقومية.
الصفة المميزة لتلك الفترة أن النقاش فيها كان صادقا ومؤثرا، وأزعم أن الغالبية من المشتغلين بالشأن الفكري والاجتماعي اليوم وخصوصا الشباب قد تأثروا أو ربما تشكّلوا في تلك الفترة. الكل كان مدفوعا بأسئلة أكبرى. من جهة بلدنا أصبح المتهم في واحدة من أكبر الجرائم الإرهابية. من جهة أخرى يصل هذا المارد الإرهابي للداخل ويبدأ في قتل الناس بشكل عشوائي. في المقابل بلد جار كبير يتم غزوه وإسقاط نظامه ليستعد عدد كبير من الشباب للانخراط في حرب جديدة في الخارج.
على الصعيد الفكري حصلت انفراجة في حرية التعبير ورغم بساطتها إلا أن أثرها كان هائلا في مجتمع لم يعتد إلا سماع رأي واحد. فتحت الصحف المحلية خصوصا الوطن والرياض صفحاتها لعدد من الأسماء الشابة تمتاز بمعرفة وتجربة بالجماعات الإسلامية ومستعدة للكشف والنقد. أسماء مثل منصور النقيدان، عبدالله بن بجاد، مشاري الذايدي، محمد المحمود، خالد الغنامي، عبدالرحمن اللاحم كانت علامات فارقة في الحوار المحلي وكانت أطروحاتها تستفز الجميع للمزيد من المراجعة والتفكير. بالإضافة إلى العودة للأسماء الكبيرة المهمة مثل تركي الحمد وإبراهيم البليهي وغازي القصيبي.
شخصيا كانت تلك الفترة جوهرية في تشكيل وعيي كفرد ومعلم. التعليم كان جزءا جوهريا من المشكلة. نقد واسع امتد للمناهج الدراسية والعملية التعليمية بشكل مباشر. كنت أشعر بمسؤولية مباشرة كمعلم دين في المرحلة الثانوية. باختصار كنت أعتقد أن من أولى مسؤولياتي أن أعمل جاهدا على ألا يفجّر أحد من طلابي في يوم من الأيام نفسه لأي سبب. كان هذا الهدف يعني الكثير من العمل والصراع داخل المدرسة. غالب التيارات الدينية في ذلك الوقت اتخذت مواقف حادة تجاه النقد والتغيير. اتخذت موقف المدافعة عن الذات ورفض اتهام التعليم بالمشاركة في الأزمة. من جهة أصبح لدينا عدد قليل من المعلمين يشعرون بضرورة التغيير وفي المقابل شعر السياق العام بأن هذا التغيير عمل خطير ومدفوع من الغرب ويهدف إلى تفكيك المجتمع. كانت المدارس ساحة جوهرية للصراع. معلمون مثل محمد السحيمي ومحمد سلامة كانوا أمثلة للقسوة التي ووجه بها التغيير.
ما جرى معي ومع آخرين من معلمين وطلاب في ثانوية الحاير أو في الحي بشكل عام يمكن فهمه داخل هذا السياق. الجميع كانوا متأثرين بالأحداث والنقاش الصاخب حولها ولكن الموقف تجاه هذه الأحداث اختلف. البعض شعر بضرورة التغيير العميق. في المقابل رأى البعض ضرورة التمسك بما نحن عليه أو حتى تكثيف الجهد للعودة إلى تعميق الدور الدعوي والجهادي للمدارس، أيضا كانت هناك أطراف مستقرة لا ترى وجود أزمة حقيقية تستوجب تغييرا في أي اتجاه. شخصيا كنت حريصا على فتح النقاش حول قضايا التطرف والإرهاب والتسامح والحوار في كل مكان وخصوصا في غرفة المعلمين والصف الدراسي.
مشكلتي أني كنت أمثل الصوت المختلف. المدارس بيئات تقليدية في الغالب وتسيطر عليها الخطابات المسيطرة في الخارج وبالتالي كانت الدعوة للحوار مع الجميع ونبذ الإقصاء والأخوة الوطنية وفقه الاختلاف ونبذ التعصب الطائفي وضرورة النقد الذاتي مفردات غريبة ومن خارج السياق. كنا في مدراس لديها مشكلة من السلام الوطني ورفع العلم الوطني وأشياء أكثر بساطة. لم يكن في المدارس مجال للتنوع والاختلاف. المناهج تقدم رؤية واحدة والنشاطات المدرسية يسيطر عليها تيّار واحد. مثلا الضيوف الذين تتم دعوتهم للحديث في المدارس أنصاف متعلمين ويفترض أن تخجل المؤسسات التعليمية من استضافتهم.
شخصيا كنت أراهن على شيء جوهري جدا وهو الحوار. النقاش وفتح الأسئلة واستثارة تفكير الآخرين كانت الوسيلة الأكثر نجاحا في هذه البيئة المقفلة. حيث كنت أحمل معي استفساراتي وأسئلتي وأسعد كثيرا باستجابة الآخرين للحديث رغم اختلاف الآراء. البيئة المغلقة تضطرب وتقلق من النقاش والسؤال. كان بعض معلمي المدرسة ومن يعتقدون أنهم وحدهم من يقود المدرسة يشتاطون غضبا من أن نقاشات حول الإرهاب وضرورة الاختلاف والنقد كانت تدور في المدرسة. أذكر أن أحد المديرين أصدر تعميما داخليا بمنع الحوار والنقاش في غرفة المعلمين. كان تعميمه خارج السياق فلم يعد إسكات الناس ممكنا. الغالبية من المعلمين والطلاب كالعادة كانوا في الحياد ولكنهم كانوا يسعدون بسماع الجديد والمفاجئ. كانت هناك أشياء كثيرة مفاجئة ومثيرة. باختصار بدأ النقاش في المدرسة يظهر أن ما كنا نسمع ونصدّق ونتّبع لم يكن سوى اجتهاد واحد ضمن اجتهادات أخرى معتبرة. في الحلقات القادمة سترتفع حدة الخلاف وستتدخل جهات من خارج المدرسة في السياق.