ربما لم تكن الهجرة إلى أرض الأحلام حلماً بالنسبة لأسلاف مارتن لوثر كينج، بل هم مهجّرون لا مهاجرون، حيث وجدوا أنفسهم على ضفاف الساحل الشرقي للولايات المتحدة يستقبلهم تمثال الحرية المنتصب على خليج نيويورك، حيث يرمز التمثال إلى الحرية على هيئة امرأة تحررت من قيود الاستبداد، تمسك في يدها اليمنى شعلة ترمز إلى الحرية، بينما تحمل في يدها اليسرى (كتاباً) وعلى رأسها تاج مكون من (سبع) أشعات تمثل البحار السبعة الموجودة في العالم.
ولكن كان قد شاب أرض الحرية الكثير من العنصرية، ولهذا كثيرون من أطلقوا صرخات النضال معتبرين أنهم لا شيء دون حصولهم على حريتهم، ومنهم داعية الحقوق المدنية الأميركي الشهير (مارتن لوثر كينج) الذي أطلق صرخته الشهيرة (لدي حلم)، ربما دون أن يكون لديه تصور بأن أحلامه ستتحقق قريباً وإن كان ذلك بعد أن فقد حياته تحت وابل من الرصاص ثمناً لحلم، إلا أن صدى الحلم وصل بسرعة فائقة إلى أبعد مدى لتتحقق آمال الحرية البعيدة التي طال انتظارها، وقد قال عبارته الجميلة: ليس المهم طول حياة المرء، بل جودتها، ثم رحل في (أبريل) الذي يصادف هذا العام ذكرى رحيله الرابعة والأربعين، بعد أن تألقت كلماته كل هذه السنين.
تتعدد أحلامنا، التي تولد صغيرة وما تلبث أن تكبر، لكن نحتاج إلى الإبقاء على الأحلام متوهجة لكي تكبر وتتألق وتنمو، فحين تتحقق تكون قد نضجت وكبرت وآن لها أن تكون حقيقة معتبرة، لنبحث عن أحلام أخرى نحققها، فباب الأمل يبقى مفتوحاً قبل مغادرة الحياة التي لا تتوقف فيها أذهاننا عن مداعبة الأحلام.
يحتاج تحقيق الأحلام إلى إيمان واستمرار وعمل وطاقة ذاتية لا يعتريها الخمود بسبب اليأس، حيث تشير الطروحات النفسية الحديثة إلى أن الأحلام مهما كانت بعيدة فهي ليست مستحيلة أبداً، فالإنسان من جهة يحتاج إلى بذل القليل من تركيز الطاقة الذاتية على تحقيق الهدف، والابتعاد عن أجواء الكسل التي يثيرها المحبطون، والالتزام من خلال استشعار المسؤولية، وقبل كل شيء نسبة الفضل لأهله، إذ يقال إن الإنسان لا يصل إلى أهدافه منفرداً، بل إن قصص الناجحين في تحقيق أحلامهم دعمها أنه يقف خلفها أشخاص آخرون وظروف معينة تصل نسبتها في النجاح إلى حوالي 80%، كما أن طريق النجاح محفوف بالفشل، غير أن النجاح الحقيقي هو الذي يعتبر الفشل تجربة مفيدة لا سبباً محبطاً.. وهذا ما فعله مارتن، الذي لم يستسلم إلى كل المحبطات من حوله، ومن كان يصدق أن السود في أميركا سوف يحصلون على كامل حقوقهم المدنية التي يعتبر كثيرون أنها تحققت بصيغتها النهائية بعد انتخب باراك حسين أوباما رئيساً للولايات المتحدة الأميركية.
لقد وقف مارتن لوثر كينج، ومالكوم إكس، وروزا باركس وآخرون في وجه الظلم بغض النظر عن ألوانهم ودياناتهم وتوجهاتهم، فكان لهم ما حلموا به بعد سنوات من النضال. تحتاج الأحلام الشخصية نضالاً ونفساً طويلاً، والاستفادة من الدروس والتجارب اللينة والقاسية لتكون دافعاً قوياً للنجاح في تحقيق الحلم، بالإضافة إلى الصبر والاعتماد على استعادة القوة الداخلية من خلال التأمل والاسترخاء وتركيز التفكير بالأمل.
لقد عمل مارتن، على أهم حلم أميركي تحققت فيه المساواة كقيمة، ونبذت العنصرية إلى مكانها الطبيعي الذي يفترض أن تكون فيه، وهناك أمثلة كثيرة على النضال في سبيل تحقيق الأحلام، هناك أحلام اجتماعية ووطنية وهناك أيضاً أحلام فردية لا تقل شأناً هي الأخرى، ومن القصص التي يذكرها التاريخ ولا ينساها، سنوات الظلم السبع والعشرون التي عاشها الأفريقي نيلسون مانديلا، وقبله المهاتما غاندي الذي ألهم العالم باعتماد اللاعنف في النضالات الوطنية وتقرير المصير.
وفي المقابل هناك أحلام أخرى، تأخذ جانباً شخصياً، لكنها لا تقل أهمية كتجربة إنسانية جديرة بالاهتمام، بل إن الكثير يتحقق بعد نضال طويل المدى يكون الرهان الأساس هو الثبات والصبر واستلهام التجربة، ومنها تجربة ستيف جوبز وغيره.
الأحلام الصعبة هي أحلام حقيقية، وإن اعتبرها البعض ضرباً من الجنون أحياناً، لكنها حين تتجسد تكون غاية في العقلانية والإعجاب بها حتى من قبل منتقديها، فربما ضحك كثيرون من أحلام آخرين معتبرين إياها أضغاث أحلام، ولكنها أصبحت حقيقة خالدة، لقد كًُتب على قبر مارتن لوثر كينج: حر في النهاية.. فأخبرنا عن الأحلام يا مارتن.