في مدارسنا التي تنخفض فيها بحدّة فرصة التعبير الصادق عن الذات يلجأ الطلاب إلى وسائل أخرى للتعبير. جدران المدرسة وطاولات الدراسة والكتب والدفاتر هي الأماكن التي يمكن أن تعرف فيها حقيقة تفكير وأحلام الطلاب
إذا كانت المقالة الماضية سلّطت الضوء على السياق السياسي والفكري والاجتماعي المسيطر عند قدومي للحاير سنة 2003، فإن مقالة اليوم ستسلط الضوء على العنصر الأهم في عملية التعليم، الطلاب. لكل معلم مهمة أولى ومدخل أساسي لعمله كمعلم ومعلمة، ودونه لا يمكن أن يؤسس مع طلابه أو طالباتها علاقة إنسانية تربوية حقيقية، هذه المهمة يمكن اختصارها في شعار: اعرف طلابك واعرفي طالباتك. على المعلم والمعلمة الانخراط في عملية يومية للتعرف على طلابهم. باختصار كل طالب أو طالبة هم حالة خاصة ومتميزة تجب دراستها والتعرف عليها لأجل التعامل معها وفهمها بشكل أكبر. يمكن أن نقول إن التعليم هو عمليّة تعارف متبادلة بين المعلم والمتعلم، وخلال هذه العملية التي تتم بالتواصل يتعرّف كل منهما على الآخر كما يتعرّف كل منهما أكثر على ذاته. في تعليمنا لا تقدم للمعلم أي معلومات عن الطلاب قبل بداية الموسم الدارسي. بمعنى أنه لا يعرف شيئا عن ظروفهم الاقتصادية والنفسية وتاريخهم التعليمي. ولذا فإن المعلم الذي يريد أن يعرف أن طلابه لا بد أن يبدأ من الصفر. كنت أريد أن أعرف طلابي في الحاير وكانت الطريقة المثلى هي أن أجعلهم ينطقون، يتحدثون، ومع كل كلمة كانوا يقولونها كنت أعرفهم أكثر وأعرف نفسي أكثر.
كما قلت في السابق من المهم للمعلم والمعلمة أن ينظروا لطلابهم على أنهم نتائج لمجموع ظروفهم الأسرية والاجتماعية والاقتصادية، وأن تميزهم يعكس هذه الظروف وانخفاض مستواهم التعليمي أو الأخلاقي يعكس هذه الظروف أيضا. أي بمعنى النظر للطلاب الذين يعانون من مشاكل تربوية على أنهم ضحايا لا جناة. باعتباري من أهل الحي كنت أستطيع أن أكون خلفية بسيطة عن بعض الطلاب الذين أعرف أسرهم وظروفهم، ولكن التركيبة السكانية للحاير متنوعة جدا، وباعتبار أنها ضاحية للعاصمة، فإنها تستقبل سنويا عددا جديدا من الأسر من مناطق مختلفة من المملكة. لكي تتعرف على تركيبة طلاب ثانوية الحاير ما عليك سوى التجوّل في الساحة أثناء فسحة وسط اليوم. ستجد مجموعات مقسّمة غالبا حسب القبيلة والمنطقة.. ولكن في ذات الوقت تجد مجموعات بسيطة تمثل خليطا رائعا من كل المجموعات السابقة.
لكن لنتعرف على الطلاب أكثر يجب أن ندخل إلى حاجاتهم أكثر ونرى هل كان التعليم يلبيها أو يتعامل معها بشكل يساعدها على النمو والتطور. في مدارسنا التي تنخفض فيها بحدّة فرصة التعبير الصادق والصريح عن الذات يلجأ الطلاب إلى وسائل أخرى للتعبير. جدران المدرسة وطاولات الدراسة والكتب والدفاتر هي الأماكن التي يمكن أن تعرف فيها حقيقة تفكير وأحلام ومشاعر الطلاب. هناك تعثر على الحقيقة. من خلال تجربتي لثماني سنوات أقول إن الحب والفنون والرياضة كانت القضايا الأساسية التي يفكر فيها أغلب الطلاب في أغلب الأوقات. الحب، يصادفك في كل دفتر وكتاب وجدار وطاولة، حب حزين ومكسور. الفنون وكلمات الأغاني أو القصائد تحضر في كل مكان، وفي النهاية تحضر كرة القدم ونجومها وأنديتها كسيّدة الاهتمام والشعبية. في المقابل نجد أن التعليم يقف معارضا وبشدة لكل هذه النشاطات. فالحب محرم وممنوع ما دام خارج سياق الحب الديني. بدلا من أن يلبي التعليم عاطفة الطلاب بتثقيفهم عن الحب وقيمته وتزويده بالأدب الراقي حوله نجد أنه يستبعد وينفى. وفي بيئة يعزل الجنسان عن بعضهما بشكل حاد تجد أن الشباب يوجّهون عاطفتهم لشباب آخرين لا لأغراض جنسية بالضرورة بقدر ما هو صرف لعاطفة طبيعية لا بد أن توجّه لإنسان ما. وكالعادة فإنه حين تمنع الحاجة الطبيعية وتكبت فإنها تتحول إلى عقدة وألم وربما إلى سلوك خطير ومؤذ.
بالنسبة للفنون فإن المدرسة تكاد تخلو من أي لمسة جمالية. فبالإضافة إلى خلو المدرسة من أي بقعة خضراء أو حتى من الشروط البسيطة للنظافة فإنها تخلو من المسرح والشعر والموسيقى والرسم والنحت. كل ما يقدم في المناهج في الشعر والأدب تغلب عليه الروح الوعظية وتتدنى فيه اللمسة الجمالية. الموسيقى غير موجودة. المسرح خارج الحسبة ولا يحضر إلا ربما يوما في السنة في الحفل الختامي ليقدم فيه عمل وعظي. الرياضة أيضا محصورة في ساعة أسبوعيا. لن تشاهد الطلاب في حالة أسعد من حالتهم حين ينزلون للعب الكرة وفي المقابل تقدم لهم المدرسة ساعة في الأسبوع على أرضية أسمنتية قاسية لا تناسب أبدا لعب الكرة ولا شروط السلامة.
باختصار كانت مدرستنا قاسية على طلابها ومتنكّرة لطبيعتهم الروحية والجسدية. في مكان بهذا الجفاف يتواجد طلاب ربما قدموا من أماكن أكثر جفافا. من أسر فقيرة وغير واعية. كنت أتساءل كم من طالب قدم للمدرسة بلا إفطار، كم منهم قدم بدون أن يسمع صباح الخير، كم منهم نام حزينا البارحة، كم منهم يعيش في أسرة مفككة، كم منهم تعرض للضرب أو الاغتصاب في صغره، كم منهم يعيش مع مدمنين أو متورط هو نفسه في مشكلة مخدرات، كم منهم يعتصر قلبه العشق ولا يجد من يفهمه. كل هذا لا يعني المدرسة وليس ضمن اهتماماتها بينما تجدها تهتزّ بالكامل ويتسابق المعلمون للتدخل حين يشاهدون طالبا بشعر طويل أو يلبس شماغا بلون مميز أو يحمل شريطا غنائيا.
لنتعرف على بعضنا في الصف. كنت أسعى مع طلابي لإعادة الاعتبار للمشاعر والاهتمامات التي يحملونها. في صفّنا كان الحب موضوعا يستحق الاحترام والفنون صورة لجمال الإنسان والرياضة باعتبارها سعادة وصحة. وقبل هذا كلّه كان الصف مكانا للاعتراض ونقد المدرسة. الأمر الذي سيفتح بابا واسعا للمشاكل في المستقبل.