ما النموذج الذي يمكننا تقديمه للنظام الإقليمي والتأثير فيه؟ وكيف ستتم إعادة تنظيم علاقتنا مع القوى العالمية المؤثرة في المنطقة؟

ترتكز السياسة الخارجية لأي دولة على مجموعة من العوامل منها نموذج الدولة الذي يمثل بشكل عام منهجها السياسي ورؤيتها لنفسها ومحيطها، والأهم، رؤية الآخرين لها، حيث إن هذه الرؤية تعد أحد أسس بناء العلاقات السياسية بين الأمم. فالدول الثورية التي يعتمد نموذجها على فكرة المخاض الثوري وتصديرها، يصبح نموذجها تلقائيا على حالة تضارب مع نماذج أخرى تجنح للاستقرار، إيران وتركيا مثالان على نموذجين مختلفين للدول في منطقتنا. وبالمثال فإن الليبرالية كمنهج سياسي لبعض الدول تمثل قاعدة لصنع أساس مشترك من العلاقات قد تتفوق على فكرة المصلحة الاقتصادية أحيانا، ذلك أن القيم السياسية كقاسم مشترك تعكس تطابقا في النماذج السياسية التي تنشأ عنها سياسات الدول وبالتالي تمثل قاعدة أكثر صلابة للتعاون وبناء العلاقات. على سبيل المثال تجنح الولايات المتحدة للانفتاح في علاقتها باليابان والهند أكثر مما تتجه نحو الصين، النموذجان السياسيان الهندي والياباني أكثر توافقا مع الأميركي وهو أمر يتجاوز مجرد المنفعة الاقتصادية كعنصر للتعاون وركيزة للعلاقات، فالسؤال: ما الذي يجعل الولايات المتحدة ترى الصين خطرا أكبر عليها من الهند وترى أن بين الدولتين قاسما مشتركا أكبر للتعاون مما هو مع الصين؟ إن أحد التحديات التي تواجه سياستنا الخارجية في المرحلة القادمة هو انعكاس التطورات الإقليمية والاتجاهات العامة في النظام العالمي عليها في ظل عدم وضوح النموذج الذي ترتكز عليه.
1/ على مستوى النظام العالمي: يتمثل هذا التحدي في عودة منظومة السياسة الخارجية المرتكزة على فكرة القيم كقاسم مشترك أكبر للعلاقات الاستراتيجية بين الدول، وهو ما يمكن النظر إليه على أنه نهاية عصر مبدأ كيرك باتريك (Kirkpatrick Doctrine)، وهو المبدأ الشهير لسياسة الولايات المتحدة الذي قدمته سفيرتها لدى الأمم المتحدة جين كيرك باتريك في بداية الثمانينات والذي ينص على تعاون الولايات المتحدة مع أي دول معادية للاتحاد السوفيتي في العالم الثالث حتى وإن كانت غير ديموقراطية. وهو المبدأ الذي ارتكزت عليه إدارات الولايات المتحدة في سياستها الخارجية منذ إدارة الرئيس ريجان في علاقة أميركا مع عدد كبير من دول العالم، كما حدث مثالا في دعم بينوشيه في تشيلي، وماركوس في الفلبين والعسكريين الانقلابيين في الأرجنتين بعد الرئيس خوان بيرون وكذلك مع عدد من الزعماء العرب كصدام حسين أو حسني مبارك. النقطة الرئيسية في هذا المبدأ الذي مثل بشكل أو بآخر التوجه الغربي العام في السياسة الخارجية كانت فكرة فصل أشكال الحكم والقيم السياسية عن منظومة بناء العلاقات. اليوم يعود تدريجيا نمط السياسة الخارجية الغربية المرتكز على المنظومة القيمية، ما أطلق عليه إعلاميا العالم الحر، عالم تجتمع فيه أميركا وأوروبا والهند واليابان وكوريا الجنوبية بناء على منظومة قيمية مشتركة بينما تقف على الضفة الأخرى منه (من وجهة النظر الغربية) دول كالصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران وفنزويلا. عالم أصبحت فيه تونس بعد ثورتها نقيض السودان، ومثل سقوط مبارك فيه سقوطا لفكرة بناء علاقات في الأمد الطويل مع دول لا ترتكز على ذات منظومة القيم السياسية المشتركة.
الربيع العربي هنا فتح الباب لأن تعود السياسة الغربية (وهي الأكثر فاعلية في منطقتنا) للاتساق مع رؤيتها الأساسية المتعلقة بتنظيم العلاقة مع الدول بناء على الاشتراك في القيم الأساسية كالديموقراطية والليبرالية السياسية وغيرها.
2/ كان الدافع الأساس لمبدأ كيرك باتريك هو المفاضلة الغربية التي وضعت مواجهة السوفيت أو الإسلاميين المتشددين كأولوية على شكل أو نوع الحكم الذي يتم التعاون معه. الربيع العربي جاء ليضع الإسلاميين قبل غيرهم على رأس قطار الديموقراطية، الصعود الديموقراطي لحزب النهضة في تونس أو الإخوان والسلفيين في مصر وقبولهم بقواعد اللعبة بدلا من ساحة القتال، مثل للغرب انتفاء لفكرة وجود مبدأ يفاضل شكل الحكم على القيم الحاكمة للنموذج السياسي، بل أضاف فكرة جديدة وهي بناء العلاقات ارتكازا على التعاون مع قوى ذات مشروعية في الشارع ترتكز لذات القيم المشتركة. اليوم تتحول الاستراتيجية الأميركية في المنطقة على سبيل المثال تدريجيا نحو فكرة إعادة بناء العلاقات مع دول الإقليم التي تبشر بذات القيم السياسية. انفتاح الولايات المتحدة على الإخوان المسلمين في مصر أكبر مثال، ادعاء الإخوان تمثيلهم لقطاع من المصريين أكبر مما يمكن لمبارك أن يدعيه، أو الإسلاميين في العالم العربي عموما من خلال صندوق الانتخابات، يمثل اتساقا مع قيم السياسة الأميركية وبابا لهم للحفاظ على مكاسبهم الاستراتيجية في المنطقة على الأمد الطويل من خلال ربط علاقتهم بالقوى ذات التمثيل الأكبر. الإسلاميون هنا تحولوا من فزاعة للغرب إلى مطلب استراتيجي بعيد الأمد، أخذا في الاعتبار التزام الإسلاميين في الجهة الأخرى بالقيم السياسية المشتركة.
في ضوء هذا تواجه سياستنا الخارجية على المدى الطويل عدة تحديات تتعلق بالموقع في النظام الإقليمي، والمقصود به المنافسة بين النماذج السياسية في المنطقة. إن سياستنا الخارجية تواجه اليوم تحدياً بارزاً يتمثل في صعود نماذج إسلامية عربية تتسق مع القيم السياسية للدول الغربية التي تظل فاعلا مؤثرا في السياسة الإقليمية. هذا الأمر ينعكس على علاقة الغرب معنا كما ينعكس على قدرتنا في التأثير على السياسة الإقليمية، وإن ظل عامل القوة الاقتصادية لدينا مؤثرا، فإنه مع الوقت ستقل قدرته بشكل طبيعي. هنا تبرز تركيا كمنافس إقليمي أكثر تهديدا على المدى الطويل بما يملكه نموذجها القيمي والتنموي من قدرة على التأثير في الإقليم إضافة لما يستطيع تقديمه اقتصاديا وعلميا وتقنيا للدول. في ظل عدم وضوح النموذج الذي نرتكز عليه في الفترة القادمة يصبح السؤال: كيف سننافس في النظام الإقليمي على المدى الطويل؟ وكيف ستتم إعادة تنظيم علاقتنا مع القوى العالمية المؤثرة فيه؟ والأهم: ماذا نملك حقيقة كنموذج لتقديمه للنظام الإقليمي والتأثير فيه؟