مأسسة الفكر التطويري في إدارة واحدة تدفع باتجاه رفع مستوى الكفاءة وتحقيق سرعة إنجاز البرامج والمشاريع التنافسية التي تطرحها وزارة التعليم العالي بين الجامعات
البيانات والمعلومات والمعارف الخاصة بأي مهمة أو قضية أو مشكلة هي القوة التي تُمكن المخططين من التحليل المنهجي والتشخيص السليم لإعداد خطط استراتيجية وتنفيذية فعّالة، كما أنها تمثل القوة التي تمكن متخذي القرار ومنفذيه من التقييم والتقويم المستمرين خلال مراحل التنفيذ لتطوير الخطط والبرامج والآليات التنفيذية، وتمثل عملية التوثيق والأرشفة لمختلف الوثائق والمستندات والأوليات المرتبطة بعمل وتجارب ونجاحات جهة ما حجر الأساس الذي تبني عليه هذه الجهة قاعدة البيانات والمعلومات والمعارف الخاصة بها، والتي تمثل في نفس الوقت جزءاً من قاعدة البيانات والمعلومات الوطنية التي تعتبر العمود الفقري والشرط الأساسي لإيجاد تقييم علمي وواقعي للخطط الاستراتيجية والتنفيذية وبرامجها وآلياتها.
التجارب الناجحة في هذا المجال وغيره بالإضافة إلى دورها في بث روح التفاؤل والأمل لتحقيق نجاحات مماثلة أو أفضل منها فإنها تساعد في اكتساب الخبرات اللازمة لتحقيق الأهداف دون الحاجة إلى المرور بمرحلة التجربة والخطأ المضيعة للوقت والجهد والمال، والجودة بالمحصلة لذلك تحرص كافة الجهات المعنية بتنفيذ مشروع أو برنامج على الاطلاع على التجارب المحلية والدولية الناجحة في مجال المشروع أو البرنامج للوصول إلى أفضل النتائج فاعلية وكفاءة ممكنة.
وبكل تأكيد التجارب الناجحة المحلية أكثر فائدة من التجارب الناجحة الدولية على اعتبار أن الأولى حصلت في البيئة المحلية بكافة أبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية بينما كانت الأخرى في بيئة مختلفة تماما مما قد يجعل الاستفادة منها أقل خصوصا إذا لم تراع الفروقات البيئية ذات الأثر البالغ بل والحاسم في النجاح أو الفشل. وإذا حدث أن نُظر إلى التجارب الدولية فيجب أن تكون النظرة إلى تلك التجارب كـكود لا بد من تفكيكه إلى أجزاء يمكن تبني بعضها لتطابقه وحذف البعض الآخر لعدم تطابقه وتكييف الجزء الثالث لتطابق بعضه. وهذا يجعل التجارب الدولية أكثر فاعلية وفائدة، لأنه قد ثبت أنه لا يمكن أن تؤخذ تجربة من مكان وتطبيقها (بحذافيرها) في مكان آخر.
مأسسة الفكر مفهوم يكاد يكون غائبا عن مجتمعات الدول النامية على عكس الدول المتقدمة التي لم تترك أيا من مجالات الفكر إلا مأسسته ليكون واقعا ملمومسا ومتطورا بمرور الوقت، ومأسسة الفكر أن تضعه في نظام عمل ومنهج راسخ في السلوك والأداء والاجتهادات لتؤسس لعمل منتج وخلاق ومبتَكِر على الدوام وإذا ساد ذلك وأصبح ثقافة في أي مؤسسة كبرت أم صغرت يتحول الفكر بجدارة واستمرار إلى واقع يعيشه الناس ويلمسونه كمنتجات أو خدمات أو آثار إيجابية. وكم من فكرة خلاقة ضاعت أدراج الرياح لعدم مأسستها بإيجاد جهاز أو هيئة أو وحدة إدارية تدرسها وتنفذها بروح إبداعية لتحقق إنجازا ناجحا ذا أثرا منشود على أرض الواقع. في حين كم من فكرة بسيطة تقليدية أصبحت ذات أثر إيجابي بعد أن وجدت وحدة إدارية تحتضنها وتنميها وتنفذها بروح إبداعية.
ولأهمية وحيوية وفاعلية مأسسة الفكر يجب علينا دراسة التجارب المحلية والدولية الناجحة في أي مجال من مجالات الفكر، ومن التجارب المحلية التي أتمنى توثيقها في كافة صيغ التوثيق المتاحة ونشرها وتوزيعها على كافة المسؤولين في بلادنا مأسسة الفكر التطويري للجامعات الحكومية التي قامت بها وزارة التعليم العالي من جهة تطوير التخطيط منهجيةً وتنفيذاً ومتابعةً، وذلك فيما يتعلق بالتعليم والتعلم وما يتعلق بالأبحاث والدراسات الاستشارية وما يتعلق بخدمة المجتمع.
كلنا يعلم أن جامعاتنا قديمة النشأة لم تشهد أثناء فترة انخفاض عائدات النفط برامج تطويرية ولذلك سماها البعض ثانويات مطورة، وبفضل من الله وبعد أن ارتفعت أسعار النفط وما ترتب على ذلك من انتعاش اقتصادي وإنفاق هائل على التعليم قامت وزارة التعليم بإعداد استراتيجية آفاق لتطوير التعليم العالي ومأسسة الفكر التطويري الذي أقرته الخطة للجامعات قديمة ومتوسطة وحديثة النشأة حيث قامت وزارة التعليم العالي بإنشاء إدارة البرامج التطويرية وألحقتها بوكالة الوزارة للشؤون التعليمية التي باشرت باقتراح وتنفيذ البرامج والمشاريع التطويرية التي طرحت في خطة آفاق والنقاشات التي تلتها كأفكار وخصصت لها الكفاءات البشرية والمالية والمادية ووضعت لها اللوائح والأنظمة والمعايير ومؤشرات التقييم.
مأسسة الفكر التطويري في إدارة واحدة تدفع باتجاه رفع مستوى الكفاءة وتحقيق سرعة إنجاز البرامج والمشاريع التنافسية التي تطرحها الوزارة بين الجامعات، كما يوطن الخبرات والكفاءات المتعددة في إدارة عامة واحدة، ويحقق الاستغلال الأمثل للبنية التحتية والإدارية بين مشاريع الخطة الوطنية والمشاريع التطويرية التنافسية للوزارة، ويوحد معايير طرح المشاريع التطويرية وتحقيق الحيادية في الاختيار والمتابعة والتقديم، ويعزز الاتجاه المؤسسي في برامج التطوير التعليمي وتغليبها على المبادرات الأحادية، ويمكِّن من دراسة الفرص المتاحة بهدف استغلالها وتحويلها إلى برامج ومشاريع محددة الأهداف ومتوافقة مع خطة الوكالة التشغيلية ومنطلقة من خطة الوزارة الاستراتيجية، ويحقق الاستفادة المثلى من المساعدات والمنح البحثية والتدريبية من الجهات المانحة الحكومية والخاصة، ويعزز التعاون والشراكة بين مؤسسات التعليم العالي والقطاع الخاص في مجال التطوير والدراسات والأبحاث، ويمكن الوزارة من الأخذ بمنهج إدارة الجودة الشاملة في إدارة المشاريع التطويرية لتحقيق رفع كفاءة الأداء والقيام بوظائفها بصورة مرضية، ويحقق الالتزام بأسلوب التخطيط الاستراتيجي في المشاريع التطويرية والذي يهتم بوضع التصورات المستقبلية والاستعداد لمعالجة المشكلات المتوقعة والتصدي لها, وإيجاد الحلول لها, والتنبؤ بآثارها والانعكاسات الناتجة عنها، وكل ذلك لا يتأتى دون المأسسة.
مأسسة الفكر التطويري أدت إلى إطلاق أكثر من ثلاثة عشر برنامجا، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، مبادرة تنمية الإبداع والتميز لدى أعضاء هيئة التدريس، ومبادرة تطوير استراتيجيات وطرق التعلم المتمركزة حول الطالب، ومبادرة القيادة النوعية وإدارة مؤسسات التعليم العالي، ومبادرة مراكز التميز البحثي، ومبادرة مراكز الأبحاث الواعدة، ومبادرة المشروع الوطني لقياس مخرجات التعليم العالي، ومبادرة تعزيز إسهام الجامعة في خدمة المجتمع المحلي، كلها هامة وحيوية، وحققت نتائج إيجابية متعددة نأمل من الوزارة طرحها إعلاميا وتوثيقها ليقتدي بها كل من يريد مأسسة الفكر بشكل عام ومأسسة التطوير بشكل خاص.
وخلاصة القول أن مأسسة الفكر خطوة متقدمة تتماشى مع العصر وتجعل العمل أكثر فاعلية وانضباطا، لأنه يقوم على أسس تحدد الخطوات والآليات والأهداف وتضمن تقييماً علمياً يحدد مناطق الإخفاق والقوة، ويمكن القائمين على العمل من تعزيز جوانب القوة ومعالجة جوانب الإخفاق. إنه فكر متقدم نتمنى تبنيه من أجل عمل مثمر.