أقترح – وبتواضع شديد – أن تتحول 'الهيئة العامة للسياحة والآثار' إلى وزارة، لما تقوم به هذه 'الهيئة' من جهد إداري وحضاري كبير، لإضاءة تاريخ السعودية القديم والحديث
أضاءت المملكة العربية السعودية إضاءة تاريخية نادرة بالإسلام، ولكونها أرض مهبط الوحي. فهي الميزة الجغرافية ـ التاريخية – الدينية، التي لم تتميز بها أية دولة من دول العالم على مرِّ التاريخ البشري. فـالفاتيكان في روما لم تكن مهبط وحي، وإنما كان الوحي للمسيح (عليه السلام) هناك في فلسطين. والفاتيكان مكان جغرافي وليس دينياً، ولم يكن أرض المسيح. ولكن مكة المكرمة، هي أرض محمد - عليه الصلاة والسلام - والحجاز، الذي هو جزء من المملكة العربية السعودية، كان مهبط الوحي، ومهبط الوحي، أعطى المملكة العربية السعودية من المكانة التاريخية والدينية، ما لا تتمتع به أية دولة في العالم.
ويبدو أن المسؤولين في المملكة العربية السعودية، أرادوا أن يضيئوا وطنهم بمزيد من الإضاءات التاريخية المشرفة، التي تضع المملكة العربية السعودية من جديد كأهم دولة في التاريخ البشري، لا من حيث المكانة الدينية فقط، ولكن أيضاً من حيث المكانة الحضارية الإنسانية. فأعلن – في الأمس - سمو رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار السعودية، السماح للمعتمرين بزيارة المواقع الأثرية والتاريخية، في خطوة من شأنها توسيع نطاق السياحة في المملكة، من أجل إلقاء مزيد من الضوء الثقافي والتاريخي، على جزء مهم من تاريخ هذه المنطقة. وهذا القرار الحكيم، من شأنه أيضاً أن يتيح للسعوديين والمقيمين زيارة الأماكن الأثرية، كجزء مهم من تاريخ هذه المنطقة العريق. فقد تبين للهيئة العامة للسياحة والآثار السعودية، أن 95 % من المواطنين لم يروا الكثير من الأماكن الجميلة في بلادهم في جازان، وتبوك، وفرسان، والعلا، وغيرها. وإذا كانت مصر، تفخر بأن تاريخها يمتد إلى أكثر من خمسة آلاف سنة، فالمملكة العربية السعودية ذات تاريخ أطول كما سبق، كما قال المرحوم الكاتب أحمد زيدان. وإذا كانت إسبانيا تستقبل سنوياً أكبر عدد من السياح، لتنوع الحضارات التي مرت هناك، فالمملكة العربية السعودية، يمكن أن تتفوق على إسبانيا في هذا الشأن، لو أصبح لديها الاستعداد لاستقبال المزيد من الحجاج والمعتمرين، وكذلك من السياح الباحثين عن المعرفة والثقافة.
فالمملكة العربية السعودية، بلد غني جداً بالمواقع الأثرية، وأبرزها مدائن صالح، وتيماء، والعلا، شمال المدينة المنورة، التي تعود إلى عصر الأنباط بين القرنين الثالث قبل الميلاد، والثاني بعده، بالإضافة إلى منطقة نجران وغيرها.
وكانت الهيئة العامة للسياحة والآثار، قد أعلنت في أواخر أغسطس الماضي، اكتشاف بقايا بشرية، ومجسمات لحيوانات، وأوان صناعية، يعود تاريخها إلى تسعة آلاف عام قبل الميلاد، شرق مدينة أبها، بين محافظتي تثليث ووادي الدواسر الجنوبيتين.
كما اكتشف خبراء الهيئة وللمرة الأولى في نوفمبر 2010 نقوشاً فرعونية تعود إلى حوالي 3100 عام، تحمل توقيع الفرعون رمسيس الثالث 1192-1160 قبل الميلاد، على صخرة قرب واحة تيماء، شمال غرب المملكة، وتبعد عن تبوك 200 كيلومتر.
وسوف يتمُ مزيد من الاكتشافات الأثرية، في المستقبل القريب، خاصة عندما تستعين الهيئة العامة للسياحة والآثار بخبراء وعلماء مسلمين وأجانب متخصصين في هذا الجانب، كما سبق أن استعانت مصر بهم، فحققوا لها اكتشافات كبيرة وتاريخية، ومنها اكتشاف مقبرة الملك توت عنخ آمون الذي اكتشفه عالم الآثار البريطاني هوارد كارتر عام 1922، الذي أحدث ضجة عالمية مدوية. كذلك ما تمَّ اكتشافه في وادي الملوك، في الأقصر، وغيرها من الأماكن.
ولو أرادت المملكة العربية السعودية التوسُّع في بناء وإقامة المتاحف لكانت متاحفها من أكبر وأغنى المتاحف في العالم، من الناحية الدينية، والناحية التاريخية كذلك. ولنا من متحف ميدان التراث في بيشة، خير مثال على ذلك.
المملكة العربية السعودية، مهد التاريخ العربي قبل الإسلام، ومهد التاريخ العربي والإسلامي بعد الإسلام، وفيها الكثير من الحضارات التاريخية المدفونة، التي تحتاج إلى بحث، وتنقيب، وتبويب، وتعريف.
أقترح – وبتواضع شديد – أن تتحول الهيئة العامة للسياحة والآثار إلى وزارة، لما تقوم به هذه الهيئة من جهد إداري وحضاري كبير، لإضاءة تاريخ المملكة العربية السعودية القديم والحديث. أو أن تصبح – وذلك أضعف الإيمان - قسماً كبيراً من وزارة الثقافة المقترحة. فما قامت به الهيئة العامة للسياحة والآثار من دور بارز حتى الآن، تستحق أن تُعطى المساحة الأكبر، والجهد الأعظم، والميزانية الأكثر، وخاصة ما يتعلق بإعداد الرحلات السياحية بغرض حضور المعارض، والمؤتمرات، والاجتماعات، أو الاشتراك فيها. ومن الجدير بالذكر، أن الكثير من الدول اهتمت بتنمية تلك الرحلات من خلال تطوير العناصر المرتبطة بها، مثل تطوير مراكز المعارض، والمؤتمرات، والفنادق، والمطارات، وتطوير البيئة التنظيمية والإجراءات الحكومية، وتطوير القدرات البشرية والتسويق لها. فمثل هذا النوع من الرحلات اكتسب مسميات مختلفة، بهدف وضعها في إطار محدد ـ كما سبق أن قيل ـ يسهل التعامل مع عناصرها، وتطويرها، وتسويقها. وازدادت الاستثمارات في الشركات المنظمة لها، ونما عدد العاملين فيها، حتى أصبحت مصدراً اقتصادياً مهماً، وصناعة متخصصة لها طبيعتها، مع توفر جهات تشرف عليها، وتهتم بها.
وقد سبقت الإشارة والقول، إلى أن الهيئة العامة للسياحة والآثار لم تغفل عن كل هذا، فأولت هذا النمط من السياحة اهتماماً خاصاً، وسعت إلى التعاون مع شركائها كوزارة التجارة والصناعة، ومجالس الغرف التجارية، والمناطق، وغيرها، لتطوير العناصر المؤثرة في سياحة الأعمال في المملكة لتكون أكثر تنافسية.