لم يكن الأمير نايف بن عبدالعزيز من الذين يتمتعون في مناصبهم، بل رأيناه منذ أن فتحنا عيوننا على الدنيا وهو في شغل شاغل، ومتابعة مستمرة، وجهد كبير في خدمة البلد، والسهر على راحة المواطنين من خلال اضطلاعه بمهام وزارة الداخلية
في تقويم أم القرى، وفي الصفحة التي وافقت وفاة صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز، رحمه الله، السبت 26 رجب من عام 1433 صادف في ذيل الصفحة عبارة أمن الوطن مسؤولية الجميع بتوافق عجيب مع اليوم الذي ارتحل فيه أمير الأمن.. وكأن هذه العبارة هي وصية الأمير لمن بعده.. رحمه الله.
لا تقاس أعمار الرجال بعدد الأيام التي عاشوها في الحياة، إنما تقاس بالإنجازات التي حققوها.. إنها السيرة الخالدة التي تبقى بعد رحيل المرء. وكم خلد التاريخ أناساً عاشوا سنوات معدودة حفلت بالإنجازات والعطاء، وكم اندرست أخبار مليارات من البشر عاشوا سنوات طويلة، مروا على هذه الحياة مروراً سريعاً لم تحفل بهم الدنيا، ولم يبقوا في ذاكرة الناس.. وباتوا نسياً منسيا.
يا رب حي رخام القبر مسكنه
ورب ميت على أقدامه انتصبا
لقد رحل الأمير نايف بن عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ من هذه الدنيا، وهو من أولئك الذين ستبقى ذكريات عطائهم وأعمالهم الخالدة..
أعمال تتعلق بأمن أقدس بقعة على وجه الأرض..
سنوات من العطاء المتواصل الدؤوب في خدمة ضيوف بيت الله الحرام، يحضر لها طوال العام ليسعد الحجاج بكافة الخدمات والأمن والرعاية. ولقد واجه خلال مسيرته الطويلة أحداثاً جساماً كان أشدها موجة الإرهاب التي كانت تهدد كينونة البلد واستقراره ومستقبله، وبجهد وحزم وعزيمة وجرأة استطاع أن يقلم تلك الأظافر التي تريد بالأمن الفساد.
وبتخطيط محكم استطاع أن يحشر مخططاتهم في زاوية ضيقة، فضلا عن جهوده في محاربة السم الزعاف الذي يراد منه إهلاك شباب البلد المخدرات، فمع عظم المخطط والإغراق إلا أن الجهود كانت كبيرة بقيادة سموه، رحمه الله .. كبيرة وظاهرة في محاربة هذا الداء الخطير.
لم يكن الأمير نايف بن عبدالعزيز من أولئك الذين يتمتعون في مناصبهم، بل رأيناه منذ أن فتحنا عيوننا على الدنيا وهو في شغل شاغل، ومتابعة مستمرة، وجهد كبير في خدمة البلد، والسهر على راحة المواطنين من خلال اضطلاعه بمهام وزارة الداخلية بجميع قطاعاتها، والتي تتماس مع احتياجات المواطن مباشرة، ولم يأل جهداً في بذل كل ما يستطيعه في سبيل تحقيق ضروريات المواطن وحاجياته والعناية بذلك أشد العناية.
إن الاهتمام بمحور العقيدة والدين من الأمور التي تكاد تكون بصمة تميز حديث الأمير، رحمه الله، والتركيز في كل خطاباته على هوية الدولة وارتباطها بمفاهيم الإسلام، ودعم كل توجه لنشر الدعوة والخير، وتوج ذلك بتبني مسابقة لخدمة السنة النبوية، وزعت من خلالها جوائز كبيرة لبحوث رائعة في خدمة السنة النبوية التي هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي. وكانت البحوث والعنوانات التي قدمت عبر هذه المسابقة تدل على مدى الوعي الذي يتمتع به سموه، رحمه الله، في خدمة هذا العلم العظيم.
إن مآثر الفقيد كثيرة وكبيرة، لا يستطيع المرء أن يبثها عبر مقال صحفي، ولكنها شذرات من سيرة امتدت عشرات السنوات، كانت حافلة بالخير والعطاء، ولكنْ لكل إنسان أمد، ولكل رجل خاتمة كل نفس ذائقة الموت، فهي سنة ماضية لا يتخلف عنها أحدٌ من البشر، إذ هي سنة ماضية، ولن يبقى إلا ما قدم الإنسان. ومع عظيم الأثر الذي تركه الأمير نايف، وكونه ركنا مكينا من أركان الأمن في السعودية، إلا أننا متفائلون جداً بأن الدولة لن تتأثر كثيراً بفقده على عِظم دوره وجهده في هذا الباب، ذلك أن الدولة السعودية ـ حرسها الله ـ تقوم على مبادئ راسخة تعاقب عليها أجيال حكامها.. جيلاً بعد جيل، ومرت في تاريخها بأزمات كبيرة استطاعت بحنكة القادة ونفاذ البصيرة وقوة السياسة أن تتجاوزها، فإن كان نايف بن عبدالعزيز قد ارتحل في هذا الوقت الاستثنائي إلى ربه وبارئه فإن العزاء في إخوانه أن يقوموا بالواجب المناط بهم، وأن يسيروا في مسيرة الإصلاح ورعاية البلد، متكاتفين مع أخيهم خادم الحرمين الشريفين، ناظرين بعين الاعتبار لكل ما من شأنه حفظ أمن البلد، ورفاهية المواطن والعناية به.
عزاؤنا العظيم لخادم الحرمين الشريفين ـ حفظه الله ـ في وفاة أخيه وعضده الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد، وإلى أسرة آل سعود كافة، وإلى شعب المملكة العربية السعودية، سائلين الله أن يتغمده بواسع رحمته ويدخله في جنات ونهر، وأن يعفو عنا وعنه، وأن يبدل البلد خيراً.. إنه سميع مجيب.