اختصر التاريخ ما يمكن أن يتشكل في عقود لنراه ماثلا أمامنا بكل تفاصيله ومعطياته في عامين، وهذه خصيصة لا تتأتى إلا للتاريخ وحده حين يفجؤنا دونما مقدمات مدونا في سجله تحولات عصر من العصور بغض النظر عن حجم الحدث ومدى تأثيره، فما عايشناه من ثورات عربية وحراك شعبوي سياسي الشهور المنصرمة كفيل بأن يغير تفكيرنا في طرائق التعاطي مع الأحداث والتنبؤ بما يحمله المستقبل لهذه الأمة، بعد أن أتاحت التقانة للجيل الشاب أن يراقب عن كثب تطورات عصره ويراها رأي العين راصدا تناميها وتصاعد مواقفها بعد أن كان يسمع ما يتناقله الرواة عن انقلابات ثورية عربية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين.
هذه التحولات التي من شأنها صياغة البنى السياسية والاجتماعية والثقافية صياغة تتواكب وأهداف ومطامح الثورات التي نهضت ملبية لمطالب شعوب طالما رزحت تحت نير القهر والظلم والتهميش.
إن مصر وهي الأنموذج الأشهر والصريح على هذا التحول من جمهورية عسكرية حكمها متنفذون نفعيون إلى دولة مدنية تستشرف مستقبلا يردم الهوة السحيقة بين ما كان وما ينبغي أن يكون لتشكل تمظهرا جديدا على صعيد الثقافة والفن، فهذه الكنانة التي ما فتئت قبلة لشداة الأدب والفكر تهوي إليها عقولهم وأفئدتهم جديرة بأن تبقى النبع الرقراق، والسلسبيل الدفاق ينهلون منه حبا وعشقا وإبداعا.
مصر التي في خاطري ستبقى دوحة ظل للعروبة والإسلام، وملاذا للأقلام والعقول ومناطا لحمل ثقافتنا وفنوننا وكنوزنا المتوارثة وتقديمها على أكمل وجه للعالم.
مصر التي في خاطري لن تعبث بها أجندة سياسية، ولا أهواء حزبية محمومة، ولا شراذم صدئة العقول والنوايا، مصر التي في خاطري – كما كتبها رامي – ستبقى موئل العزة والكرامة.
مصر التي في خاطري هي مستقبل الثقافة العربية يتهادى منداحا عبر نيلها العظيم يروي عطشنا إلى مسرح خلاق يعكس قضايانا بصدق وبلا إسفاف أو تهريج، وشعر يستمد روحه من وجعنا وأفراحنا وانتصاراتنا وآمالنا، وإلى رواية نحن شخوصها وبيوتنا وشوارعنا ساحاتها وأماكن معمارها، وإلى فكر يتلمس معالم طريق العودة، ويأخذ بيد الشباب إلى منصات الثقة والبناء واستلهام مصالح مجتمعه وأمته.
مصر التي في خاطري هي السيادة والريادة والواجهة الثقافية والحضارية التي اشرأبت لها عنق الدنيا من أقصاها إلى أدناها، ومستقبلها مرهون بعقول قادرة على تحديد المسار وشحذ الهمم تجاه الهدف دونما عنف أو إقصاء أو مصادرة، هذه مصر التي في خاطري وفي خواطركم كذلك كما أجزم.