ثورة الـ25 من يناير أثبتت أن من أرادوا إضعاف مصر، بتحجيم مؤسسات الدولة فيها، فشلوا فشلاً ذريعاً، في تحطيم الإرادة الشعبية، التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من إرادة مصر الدولة والكيان

للمعلومية، فالدولة المصرية، تعتبر أول دولة نشأت في تاريخ البشرية، من ناحية مفهوم الدولة المتكاملة المعالم والمعطيات، وذلك قبل أكثر من سبعة آلاف سنة. والسبب في ذلك، كون مصر تقبع حول حوض نهر النيل الخصب ومن خيراته امتهنت الزراعة والتبادل التجاري فيما بينها. حوض النيل الوفير بمائه والخصب بأرضه التي جلب النيل الطمي الخصب لها من أعالي أفريقيا وكدسه على ضفافه في مصر، جعل منها أرضا زراعية لا تضاهى، في الوفر الزراعي، الذي ساعد على عملية التبادل التجاري داخل مصر من جهة وبينها وبين محيطها من جهة أخرى. ولذلك فالفائض الزراعي الذي أدى بدوره لتبادل تجاري داخل مصر، حتم وجود كيان مؤسسي رسمي، ينظم عملية الزراعة ويؤمن التبادل التجاري فيما بينها وفيما بينها وبين محيطها. وهذا سبب رئيسي لوجود دولة في مصر، قبل غيرها، منذ آلاف السنين.
موقع مصر استراتيجي بكل ما تعنيه كلمة استراتيجي، حيث هو يحتل الزاوية الشمال شرقية من قارة أفريقيا، حيث أصبح بوابة أفريقيا على آسيا وأقرب نقطة التقاء لأوروبا القديمة (اليونان والرومان) مع أفريقيا. وكما أن النيل جلب لمصر الطمي الخصب من أعالي أفريقيا؛ فكذلك موقعها جلب لها هجرات سكانية خصبة من أفريقيا وآسيا وأوروبا. وعلى هذا الأساس تمتعت مصر بأفضل أرض خصبة وبأخصب عقلية سكانية متنوعة، تعرف كيف تتعامل مع خصوبة أرضها وتديرها، بما ينفعهم وينفع غيرهم. ولذلك أصبح لدى مصر فائض اقتصادي يتحمل قيام دولة، تنظم له وتدير عملياته الزراعية والتجارية الداخلية والخارجية.
وجود الدولة بحد ذاتها، مكلف جداً لأي تجمع بشري، لا يتحمله عدا التجمعات البشرية المنتجة، التي تمتلك فائضا اقتصاديا، يزيد عن حاجتها، ولذلك يصبح وجود الدولة بالنسبة لها، مربحا لا عبئا عليها. الفلاح المصري القديم والتاجر المصري القديم، أصبح لديهما فائض، بسبب خصوبة أرض النيل ومياهها الجارية؛ ولذلك لم يكن لديهما مانع من دفع ضريبة مالية لقيام دولة من أجل أن تقدم لهم خدمات الري وتأمين الطرق والأسواق وتنظيمها. ولذلك قامت الدولة في مصر، لحاجة سكان مصر لها، ولم تقم لتكون عبئا عليهم.
كذلك موقع مصر من الناحية الاستراتيجية (العسكرية)، حماها من الصراعات الإقليمية والدولية لفترة طويلة، حيث هو شبه معزول، بالبحر المتوسط من الشمال والبحر الأحمر من الشرق والصحراء من الغرب وغابات وأودية أفريقيا من الجنوب. وهذا أعطاها ميزة العيش بسلام لعدة آلاف من السنين، خلق لديها الفرصة للامتزاج والتجانس الداخلي بين سكانها وتشكيل هويتها المسالمة الخاصة بها وحضارتها المتنوعة المشكلة لها. الشعب المصري دوماً منهمك بالزراعة ومراقبة الأجواء والأنواء وحركة النيل من مد وجزر. أصبحت عين المصري دوماً متعلقة بالسماء والنجوم ولذلك أصبح أكثر من غيره حاجة وقربا لله، حيث مصيره متعلق بقدرته ومشيئته ولهذا فطبيعة المصري هي طبيعة متدينة.
ارتباط المصري بالأرض، هو ارتباط الطفل بأمه، لا يطيق البعد عنها، ولذلك فالمصري يتمتع بوطنية جياشة، قل أن يتمتع بها شعب غيره. كل جزء من مصر حول النيل هو جزء معطاء لسكانه؛ ولذلك فالانتماء الجهوي شديد لدى المصري كذلك. عاشت مصر في ظل حضارتها الفرعونية، التي شكلتها أكثر من خمسة آلاف سنة، قبل أن تغزوها الحضارات والديانات القادمة إليها. ولذلك مصر لا تقاوم الغزاة ولكن تمصرهم ويصبحون جزءا من جوهر حضارتها ولو احتفظ الغزاة بمسمياتهم وطقوسهم وحتى لغاتهم.
أول دولة موحدة لمصر تأسست في القرن الثاني والثلاثين قبل الميلاد، على يد أول فرعون، نارمر، الذي وحد مصر العليا (مملكة الصعيد)، ثم ضم لها مصر السفلى (مملكة الشمال)، ثم أتى أخناتون في القرن الثاني عشر قبل الميلاد ليوحد الآلهة المصرية تحت لواء الإله أنون، مع الإبقاء على الآلهة الخاصة لكل إقليم أو محلة في مصر. ثم خلقت مصر حضارتها الفرعونية الخاصة بها، التي استقت منها الحضارات التي تلتها من يونانية ورومانية وحتى بابلية وآشورية، أسس العلوم والفنون والفكر.
الدولة في مصر هي صانعة الأمن والحضارة فيها، أو هي قائدتها والمخططة لها. في العصر الحديث، يعتبر محمد علي هو باني الدولة المصرية الحديثة، في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، حيث جعل قوامها الجيش الذي قاد، حتى الصناعة الحديثة فيها. أسرة محمد علي الحاكمة اعتمدت على الجيش في حماية أركان دولتها وعلى النخب الأرستقراطية لإدارة الدولة وعلى الفلاحين والبسطاء لتمويلها. محمد علي وعائلته من بعده، خلقوا مصر حديثة، أصبحت قوة إقليمية لا يستهان بها؛ فلم يعجب الدول الأوروبية آنذاك التي كانت تخطط للسيطرة على المنطقة العربية، مفتاحها للشرق وأفريقيا، فقررت تفكيكها وتقليص مقومات قوتها وجعلها دولة تابعة لا متبوعة، وصار لها ما شاءت، بالاتفاق مع الباب العالي العثماني. وأصبح تقليص وتحجيم قوة مصر كلما بدأت تظهر كقوة إقليمية فاعلة هوسا أمنيا غربيا، وكأنه لا يطيق أن يرى الفراعنة يسيطرون على المنطقة من جديد، وينجح في كل مرة.
برغم أهمية وقوة الدولة، أي دولة، إلا أنها قابلة للتحجيم والتفكيك وإعادة التفكيك، إذا لم تكن مسنودة ومدعومة بقوة وإرادة الغالبية الشعبية من مواطنيها. كانت الدولة المصرية ومنذ أيام الفراعنة، تعمل وبشبه عزلة عن الشعب المصري. في عام 1952، قام الجيش المصري، بقيادة جمال عبدالناصر، بانقلاب أبيض على آخر ملوك مصر الملك فاروق. كانت قيادة الانقلاب ولأول مرة في تاريخ مصر، تنتمي للفلاحين، ولذلك قامت بما عرف بالإصلاح الزراعي، وتعميم التعليم على جميع الطبقات في مصر، وتوسيع مجال صناعة القطاع العام الثقيل والخفيف، بغية خلق طبقة وسطى في مصر تدعم الاستقرار والتنمية والدولة فيها. نجحت ثورة عام 1952، في خلق أوسع طبقة وسطى في تاريخ مصر منذ أيام الفراعنة.
ظهرت بوادر نجاح مخرجات ثورة 1952، في الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم، حيث لعبت مصر دورا مهما وفاعلا وفعالا أثناء الحرب الباردة، حيت أسست وترأست دول عدم الانحياز والاتحاد الأفريقي وقادت جامعة الدول العربية بكل نجاح، هذا غير ظهور بوادر نجاح التنمية الصناعية والزراعية والتعليمية التي أتت كنتاج لبرامج الإصلاح لثورة 1952. الدول الغربية، كعادتها لم يعجبها صعود مصر كقوة إقليمية ودولية، فتم إيقاف وتفكيك التنمية الشعبية العامة في مصر، من خلال التغلغل داخل عقلية صانع القرار المصري، الرئيسين السادات ومبارك، ومحاولة إعادة مقاليد حكم مصر للعسكر والنخب الأرستقراطية والتجارية.
ثورة الـ25 من يناير في مصر، أثبتت أن من أرادوا إضعاف مصر، بتحجيم مؤسسات الدولة فيها، فشلوا فشلاً ذريعاً، في تحطيم الإرادة الشعبية، التي بنتها ثورة 1952، وجعلت الإرادة الشعبية جزءا لا يتجزأ من إرادة مصر الدولة والكيان. الآن الشعب المصري أمام خيار تاريخي، لم يعهدوه منذ تأسيس أول دولة مصرية، قبل أكثر من سبعة آلاف سنة، وهي بأن تكون الدولة المصرية، دولة للشعب ومن الشعب وبواسطة الشعب.