في إحدى قصص الكاتب السوري الساخر زكريا تامر، الواردة في مجموعة تكسير ركب تقوم أفعال عبدالهادي بطل القصة على احتمالين لا ثالث لهما وفي توالد عجيب. عندما يهمّ بعمل يضع احتمالين يترتبان على هذا العمل في حالة النجاح أو الفشل. مثلاً يريد أن يتصل بصديق. فإذا أفلح الاتصال ووجده فسوف يذهب إلى السينما بعد الاتصال، وإذا لم يجده فسوف يتسكّع في الشارع. والحال أنه لم يجد صديقه. إذاً عليه التسكع في الشارع. وهذا فعل جديد يبني عليه احتمالين في حالة تعبه من عدمها. وهكذا في سلسلة من التوالد بين إذا وإذا حتى إنه في نهاية القصة يبني فعله القادم على التحرش بفتاة جميلة مع احتماليْن أن يقبض عليه الشرطي أو يصفعه وداخلهما أيضاً احتمالان قائمان على الأوليْن. لكن الشرطي تركه بعد حادثة التحرش بالفتاة لأنه معذور: (من يرَ كل هذا الجمال؛ يعجزْ عن ضبط نفسه)! فتستبدّ الحيرة بعبد الهادي ولم يعرف كيف يتصرف وهو الذي ربط كل أفعاله على توقعات جازمة لا تخرج عن احتماليْن. الآن هو لا يعرف لأن توقعاته لا تستجيب له، شعوره كعصفور حبس تحت ناقوس ونفد منه الهواء.
هذه القصة مثال شديد السخرية لمن يمشي على قضيبيْن معروفيْن؛ سكّة محددة تحكم أفعاله، لا يغادر ما هو مقرّر سلفاً ومحجوز للتنفيذ. ليس لديه استعداد للتعامل مع المفاجآت التي تقتضي تلقائياً التغيير، وممارسة الالتفاف والانعطاف لاستئناف المسيرة بطريقة صحيحة مريحة للأعصاب، وتهيِّئ صاحبها للاستمرار في الحياة وتقبّل ما يرد عرضاً دون ترتيب ولا سابق قصد.. يقول أحد الخبراء في تطوير الذات: (يجب علينا جميعاً أن نتعلم كيف نعيش في مياه هائجة باستمرار).. والحياة هي تلك المياه الهائجة أردنا أو لم نرد. ليس ثمّة موضوع أو حدث يجري في نسق واحد يجري في خط معلوم مفروض منذ البداية حتى مشارف النهاية شأن العادات التي نلتزم بأدائها ونستريح إليها. في هذا المجرى الذي اسمه الحياة ما يعترض، وربما ينسف كل الخطط، ومعها ما ألفناه من عادات تحكم خطواتنا وتحيط بنا مثل حزام الأمان.
حزام الأمان هو منطقة الراحة التي نريد أن نعيش في حدودها، ونخاف أن نغادرها، وإذا غادرناها نظل نتخبط في الحيرة والقلق. نحتاج إلى المرونة لنرخي من حزام الأمان ولنوسّع منطقة الراحة.. نحتاج إلى أن نكون على استعداد للتكيّف مع المفاجآت والمستجدات والأحوال الطارئة والظروف المعاكسة. وإذا لم نفعل ذلك ولم تكن لدينا قابلية للتغير ولا للتغيير؛ فإننا نجمد ونضمر ونتيبّس في منطقة الحيرة وفي شكل مضحك ما بين قبضة الشرطي وصفعته كبطل زكريا تامر!