في المجتمعات البعيدة عنا نسبيا، الزواج مشاركة روحية وجسدية قبل كل شيء، ويعبر عنه رسميا بعقد قران، إلا في مجتمعنا فالزواج مازال يستمد شرعيته من مسميات غير متكافئة مثل: (ملكة، صك زواج، صك طلاق)، وللمتأمل قليلا، فإن مسميات على هذا النحو ستكون فألا سيئا لبدء حياة إنسانية لائقة. المحبة واستمرار الالتزام الأخلاقي بين الطرفين يكونان بالتكامل وليس من منطلق المِلكية، وهذه هي الثقافة التي يجب أن تكون ضمن أساسيات شرعية الزواج كأحد أهم المبادئ المُطلقة التي يقوم عليها.
تغيير نمط عقد القران وفك نزعة التملك التي تنتقل بالإيحاء والتصريح لتصبح أساساً في وعي الرجل، سيكونان أهم أساسيات تغيير نمط التأسيس لعائلة سليمة روحيا واجتماعيا.
ماذا يجب أن يدون في عقد الاتفاق على الزواج؟ هنا يبدأ التغيير وتؤسس الفكرة السليمة التي تبني نواة الأسرة. يجب أن يبدأ التغيير من المسميات، بحيث يستبدل مسمى صك زواج، وملكة إلى عقد اتفاق أو عقد قران ومن ثم يكون أحد أساساته الآية الكريمة: (ولهن مثل الذي عليهن)، وهي كافية لتكون منهجاً لحقيقة المشاركة الروحية الزوجية باعتبارها تكاملا وليست تفاضلا. وهي الأساس الذي تتحول فيه المِلكية إلى شرعية مشتركة صالحة.وجميعنا يعلم أن مسميات مثل صك، ومِلكِية تكون مستساغة في حال الشراء والبيع، وهنا يكمن التشويه والخلل الذي أُسقط على وثائق الزواج.
إن الزواج لا يمكن أن ُيبنى على علاقة تعاقدية على هذا النحو المجرد الذي تفقد المرأة فيه كينونتها دون أن يكون لديها أدنى فكرة أو قرار. إن نواة المجتمع التي تتمثل في مؤسسة الزواج طريقة حياة كاملة تتطلب تغييرا في بنية التعاقد والاتفاق بين الأطراف لترسيخ نواة صلبة روحية إنسانية مقاومة للانهيار نتيجة عدم التوازن الروحي الذي بنيت عليه. ولكم في إحصائيات الطلاق المتصاعدة خير دليل. الموضوعية والمنطقية هنا تكمن في القبول الحر للشخصين وموافقتهما على أسس روحية تعلي من إنسانية الطرفين، وليس تملك أحدهما للآخر ليصبح الوضع ساري النفاذ، بحيث يتخلى أحدهما وهي المرأة هنا عن شخصيته الطبيعية والفردية ليتحد مع الآخر في نطاق تملك وليس تكاملا.
إن الحياة تبدأ بشكل صحيح حين تكون مبنية على أساس حقيقي من التحرر والاستقلالية والشعور بالندية والاتحاد الروحي وتحمل المسؤولية وليست مكانا للاغتراب والتبعية والوصاية والخضوع والسيطرة. ينبغي تصحيح مسار الوثائق الرسمية الخاصة بالزواج لتفسح المجال لإعادة بناء كينونة العلاقة المشتركة بين الرجل والمرأة على نحو مخصوص وغير عدواني، وتقليص الأخطاء المتبعة في الأوراق الرسمية وبالتالي حماية الأسرة قبل وأثناء وبعد، لأنها النواة التي يُخلق فيها الإنسان ويكتسب كامل إنسانيته، وليس من المنطقي أن يتوارث طريقة المِلكية، والصكوك مُستلهماً منها سطوة المالك على المُتملك.