من المهم أن تتذكر الحكومات الجديدة أنها مجرد حكومات مؤقتة، تم اختيارها لوضع دستور جديد وصياغة عقد اجتماعي جديد، وليس من الحكمة أن تحاول احتكار السلطة وإقصاء الأقليات

أكتب هذا الأسبوع من ستكهولم، حيث تابعت السويد باهتمام تنصيب الدكتور محمد مرسي رئيسا لمصر يوم السبت. فهو تطور تاريخي يهم العالم، فهي المرة الأولى التي تنتخب فيها مصر في تاريخها الطويل رئيسا في انتخابات حرة تنافسية، واختارت لذلك مهندسا وأستاذا جامعيا سابقا حصل على درجاته العلمية العليا من الولايات المتحدة، وسُجن واضطهد في ظل النظام السابق.
وللقصة بُعد إنساني عالمي كذلك. فلعلك شاهدت فيلم هوليود الكوميدي انتقام الشطار الذي يصور مجموعة من الطلبة الأذكياء الذين تنمر عليهم زملاؤهم الأقل تحصيلا، ولكنهم أقوى منهم جسمانيا وأكثر عددا وحاربوهم ودفعوا زملاءهم إلى مقاطعتهم وعدم التعامل معهم، ولكن الشطار في نهاية المطاف يعودون منتصرين ويكيلون الصاع صاعين لخصومهم وتكون لهم الغلبة عليهم.
وهذه قصة أصبحت مثلا لكل المضطهدين الذين يتمكنون من الانتصار من حيث لا يتوقع أحد، وفي أحلك الظروف، وهي قصة يجري تحقيقها على أرض الواقع في دول الربيع العربي. ففي تحوّل درامي مُبهر نرى المستضعفين والضحايا والمنفيين يتسلمون مقاليد السلطة وجلاديهم يلقون أسوأ مصير.
ولعل ما يفوق ذلك أهمية هو نُضج الصحوة المصرية الجديدة، حين يتم انتخاب عالم ومهني مدني متواضع، بعد قرون من حكم العسكر والمتسطلين، المصريين والأجانب. فمنذ ثورة 1952، على سبيل المثال، تولى حكم مصر ضباط اعتادوا على الانضباط العسكري والطاعة العمياء، ولم يعرفوا أساليب الديموقراطية التي تقوم على المساواة والأخذ والعطاء والحلول الوسط.
وفي تطور يشبه مصر، اختارت تونس في ديسمبر الماضي الدكتور المنصف المرزوقي رئيسا للجمهورية في المرحلة الانتقالية، وهو طبيب، ومثل مُرسي أستاذ جامعي سابق. ومثل مرسي سجن المرزوقي مرات عدة، ولاحقه النظام السابق في كل مكان وحاول حجب صوته عن العالم. وأذكر مرة حين كرّمته منظمة كنتُ أعمل معها في نيويورك، ولكنه مُنع من السفر من تونس، واضطرت ابنته الصغيرة، التي كانت تعيش مع أمها خارج تونس، إلى قبول الجائزة نيابة عنه، باكية مترددة، وخائفة على أبيها وهي تتسلم جائزته. وفي وقت لاحق، ضايقه شبيحة النظام التونسي في منفاه الفرنسي وحاولوا وقف نشاطه الحقوقي.
ومثل مصر، لم تعرف تونس سوى الديكتاتورية المطلقة منذ استقلالها من فرنسا في 1955.
وفي ليبيا، نجد قصة شبيهة. حيث نجد مصطفى عبدالجليل، وهو قاض سابق ومحام متواضع، على رأس الحكومة المؤقتة التي تحاول أن تحكم ليبيا بعقلانية، بعد حكم القذافي الذي عاث فيها فسادا أكثر من 40 عاما قتل وعذب وسجن خلالها الآلاف من معارضيه وخيرة شبابها.
وبالطبع فإن من المبكر القول إلى أي مدى يستطيع هؤلاء المنتصرون أن يغيروا مسار السياسة إلى غير رجعة، أو إلى متى يمنعون عودة الديكتاتورية إلى بلادهم. فالتحديات التي تواجه هذه الدول تجعل من الصعب التحول بسلاسة من حكم عسكري مطلق إلى ديموقراطية مدنية مستدامة.
فأولا هناك مشكلة الأرقام. ففي مصر فاز مُرسي بأقل من 52% من الأصوات، في انتخابات لم يشارك فيها إلا 51% ممن يحق لهم التصويت. أي أن جملة من اختار مرسى لم تتجاوز 26% من الشعب، وهي نسبة متواضعة لا تُعطي صاحبها تفويضا مفتوحا لعمل ما يراه. وبالإضافة إلى ذلك، ثمة العسكر ينتظرون خلف الكواليس ويتحينون الفرص للعودة للسلطة في أقرب فرصة ممكنة. وفي الوقت نفسه فإن ثمة تخوفا من أن حركة الإخوان المسلمين، وهي القوة خلف مرسي وحزب الحرية والعدالة، قد تحاول ممارسة نفوذها من خلاله بطرق غير ديموقراطية. ولا ننسى فلول النظام السابق. فمن خلال أي ثغرة يسمح عهد الدكتور مرسي بها، قد ينتقض كل ما تحقق بانتخابه رئيسا.
وفي تونس، ثمة منافسة بين عناصر التحالف الحاكم، وتوتر مع فلول النظام السابق، ومع المتشددين الذين لا يبدون مستعدين على التعايش سلميا مع من يخالفهم الرأي.
ولكن التحديات أكثر وضوحا في ليبيا، إذ يبدو أن القضاء على حُكم القذافي قد فتح القمقم عن مزيج من المنافسات والخلافات بين أركان النظام الجديد ومع فلول النظام السابق، تأخذ صورة مطالبات قبلية في الجنوب، ومناطقية في الشرق. وقد أصبحت تأخذ طابع العُنف مع قُرب الانتخابات الوطنية الأسبوع المقبل.
ومن حق المصريين أن يحتفلوا بالعهد الجديد المبني على الديموقراطية والعدالة، ولكن كما رأينا في ليبيا وتونس، فإن ذلك قد يكون كذلك بداية عهد من الصراع على تشكيل مستقبل البلاد وتوجيه مصيرها.
فمن المهم أن نتذكر أن الحكومات في الدول الثلاث هي مجرد حكومات مؤقته، تم اختيارها لوضع دستور جديد وصياغة عقد اجتماعي جديد، وليس من الحكمة أن تحاول هذه الحكومات المؤقته احتكار السلطة وإقصاء الأقليات، سواء كانت أقليات سياسية أو اجتماعية أو مناطقية أو عرقية أو دينية. ويجب أن يتذكر من هم في السلطة اليوم أن الديموقراطية يجب ألا تفسر بأنها ليست مجرد حكم الأغلبية، وهي حتما ليست ديكتاتورية الأغلبية. بل إن الاختبار الحقيقي يكمن في كيفية معاملتها لتلك الأقليات.