يناضلون ليلا ونهارا في سبيل حرية التعبير والرأي، فنلتفت إلى أفعالهم، وفي بلادهم نجد أنهم يحاربونها، بل يقصون كل من يتجرأ ويعلن رأيه على الملأ خاصة إن اقترب من محظيتهم، الشوكة التي زرعوها في خاصرتنا، الكيان الصهيوني! ورغم أنه ومنذ نشأة الولايات المتحدة تم التنبيه إلى مخاطر انحدار الدولة لتصبح في قبضة مجموعة معينة تقرر كل صغيرة وكبيرة، بدءا من الصلاة في المدارس ومرورا بتقارير الميزانية وغيرها الكثير الكثير، ومع ذلك لم نجد أي صدى أو انتباه! فمثلا في عام 1959 قال وزير الخارجية في عهد آيزنهاور السيد جون فوستر دولاس كما جاء في كتاب أعمدة ساقطة صفحة 99 لرونالد نيف: أدرك كيف أنه يكاد يكون مستحيلا أن تنفذ أي سياسة خارجية في الشرق الأوسط إن لم تتم الموافقة عليها من قبل اليهود، إنها سيطرة رهيبة لليهود على وسائل الإعلام، والسد الذي بنوه حول أعضاء الكونجرس، في الحقيقة أنني قلق جدا إزاء واقع النفوذ اليهودي وسيطرته التامة على المشهد هنا، مما جعل اتخاذ أي قرارات لا يوافق عليها اليهود، شبه مستحيل، بل نجد أن السفارة الإسرائيلية هي من يملي على الكونجرس من خلال النفوذ اليهودي في هذا البلد.
لقد قرأنا ما حدث للمراسلة المخضرمة لصحيفة هيرست في البيت الأبيض منذ عام 1961، حين تجرأت وطالبت بخروج اليهود من فلسطين والعودة إلى ألمانيا وبولندا، تم تصفيتها مهنيا بتهمة معاداة السامية، بل إنها حرمت من جميع الجوائز التي حصلت عليها، وهنالك أيضا الإعلامي ريك سانشيز من السي إن إن الذي فصل أيضا بعد إبداء رأيه على برنامج إذاعي بأن وسائل الإعلام تحت سيطرة اليهود، وإليكم أيضا مثال أوكتافيا نصر من نفس المؤسسة الإعلامية، التي تم فصلها أيضا بناء على رأي لها ظهر في حسابها الخاص على تويتر، وسوني خالد مدير تحرير الأخبار في إذاعة في بالتمور تم تسريحه من عمله بعد تسع سنوات من الخدمة، لأنه فقط ذكر تأثير إسرائيل على السياسة الأميركية من خلال تعليق له على صفحة صديق على فيس بوك! بل إن هيلاري كلينتون كادت أن تسقط كمرشحة لمقعد سناتور عن ولاية نيويورك حين زارت رام الله في فلسطين المحتلة عام 1999، حيث حضرت احتفالا ألقت فيه سهى عرفات، زوجة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، خطابا هاجمت فيه السياسات الإسرائيلية واتهمتهم باستخدام الغاز السام الذي كانت نتيجته إصابة النساء والأطفال بالسرطان، وفي متن اعتذارها فيما بعد عزت كلينتون صمتها وعدم اعتراضها على تصريحات سهى عرفات، بأنها لم تحصل على ترجمة صحيحة، ولكنها بحنكتها السياسية استطاعت أن تتجاوز هذا الموقف من خلال قيامها بجولة لتحسين علاقاتها مع القادة اليهود خاصة في أروقة أيباك.
والساحة الفرنسية ليست أفضل بالنسبة لحرية الرأي، وأبسط وأشهر مثالين هما أولا المفكر والفيلسوف الراحل روجيه جارودي، الذي حاز على جائزة الملك فيصل سنة 1985 عن خدمة الإسلام، وذلك عن كتابيه (وعود الإسلام) و(الإسلام يسكن مستقبلنا) إضافة لدفاعه المستمر عن القضية الفلسطينية من خلال محاضراته ومقالاته وحضوره في الإعلام المسموع والمرئي، ولكنه خسر هذا الحضور وتمت مقاطعته إعلاميا بعد هجومه على متسببي مجزرة صبرا وشاتيلا، بل إنه حكم عليه بالسجن مع وقف التنفيذ لأنه شكك في الأرقام الشائعة حول إبادة يهود أوروبا في غرف الغاز على أيدي النازيين! هذا صاحب رأي، أما صاحب الرأي الآخر، فهو برنار هنري ليفي، فيلسوف ومفكر يهودي متصهين حتى النخاع، تُرك يسرح ويمرح في الإعلام، بل ترك ليسرح ويمرح في بعض البلاد العربية أيضا، لقد قال في مقابلة على تلفزيون العدو وهو يصف جيشهم: لم أر في حياتي جيشاً ديموقراطياً كهذا يطرح على نفسه هذا الكم من الأسئلة الأخلاقية. فثمة شيء حيوي بشكل غير اعتيادي في الديموقراطية الإسرائيلية! ديموقراطية من؟! ديموقراطية الدولة المعتدية الغاصبة! وجيش من؟! الجيش الذي يقتل ويشرد ويعتدي منذ 63 عاما يعتبر قمة الأخلاق والديموقراطية! أضف إلى ذلك أنه وحسب ما جاء في موقع الإعلام العربي أنه في عام 2006، وقع ليفي بياناً مع أحد عشر مثقفاً، أحدهم سلمان رشدي، بعنوان: معاً لمواجهة الشمولية الجديدة رداً على الاحتجاجات الشعبية في العالم الإسلامي ضد الرسوم الكاريكاتورية المنشورة في صحيفة دنماركية التي تمس سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. وفي مقابلة مع صحيفة جويش كرونيكل اليهودية المعروفة في 14/10/2006، قال ليفي حرفياً: الفيلسوف لفيناس يقول إنك عندما ترى الوجه العاري لمحاورك، فإنك لا تستطيع أن تقتله أو تقتلها، ولا تستطيع أن تغتصبه، ولا أن تنتهكه. ولذلك عندما يقول المسلمون إن الحجاب هو لحماية المرأة، فإن الأمر على العكس تماماً. الحجاب هو دعوة للاغتصاب! مع منطق كهذا أظن أن كل من يتبعه من الوطن العربي والغرب يستحقه! ويمكن التأكد من كل ما قيل عن آرائه العدائية عن الإسلام من خلال زيارة قصيرة لموقعه، وجوجل لن يبخل في الترجمة.
سياسات كهذه وإعلام كهذا عندما يُنظّر علينا ويحاسبنا تحت بند حرية الرأي والرأي الآخر، لن نعطيه الخد الثاني، سوف نرد له الصفعة على الأول وعلى الثاني.