نسبة ضئيلة من المثقفين تتقن اللغة العربية قولا وكتابة. وقد بلغت عدوى التخريب لهذه اللغة القنوات التلفزيونية، حيث يجري استخدام اللهجات المحلية في كثير من القنوات العربية بدلا من الفصحى
حين كنا صغارا تعلمنا في الكتب المدرسية أن أجدادنا اعتادوا التحدث بالفصحى، من غير أخطاء لغوية، وأنه لم تكن هناك قواعد مكتوبة لهذه اللغة، إلا في مراحل لاحقة، بعد بزوغ رسالة الإسلام وتمدد الفتوحات العربية، إلى مناطق شاسعة من الأرض، شملت شعوبا من غير الناطقين بلغة الضاد.
ولا شك أن نزول القرآن الكريم بهذه اللغة منحها صفة القداسة لدى المسلمين عامة. وقد أضاف نزول القرآن الكريم بهذه اللغة دورا مركزيا للعرب في نشر رسالة الإسلام لسائر أمم الأرض، ذلك أنه من غير الممكن، خاصة في المراحل الأولى لبروز الدعوة، أن يتم تبليغها بلغة غير تلك التي جاء بها القرآن الكريم. وكانت الإشارة القرآنية في ذلك واضحة بالآية الكريمة: وأنذر عشيرتك الأقربين.
والتبليغ هو مخاطبة للقلب والعقل، ودعوة للإيمان بالواحد الأحد. وأداته الرئيسية هي اللغة، التي لا تشكل مفردات مجردة فحسب، بل تعبير عن مستوى ثقافي وحالة اجتماعية، وقيم أخلاقية وروحية للمجتمع الناطق بها. ومن الحقائق التي لا جدال حولها، أن القرآن الكريم قد جسد تلك الفضائل بأجمل صورها في نصوصه.
وفي سياق علاقة العربية بالإسلام، أشار الصحابي الجليل، عبد الله بن عباس، إلى علاقة القرآن الكريم بالشعر العربي، فقال: إذا قرأتم من كتاب الله شيئا فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعار العرب، فإن الشعر ديوان العرب. أما الشيخ ابن تيمية فقال: إن الله لما أنزل كتابه باللسان العربي وجعل رسوله مبلغا عنه الكتاب والحكمة بلسانه العربي، وجعل السابقين إلى هذا الدين متكلمين به، لم يكن سبيل إلى ضبط الدين ومعرفته إلا بضبط هذا اللسان، وصارت معرفته من الدين. أما الشيخ محمد رشيد رضا فيؤكد أن معرفة العربية من ضروريات دين الإسلام. ويشاطره العلامة ابن خلدون بالقول إن القرآن نزل بلغة العرب وعلى أساليب بلاغتهم، فكلهم يفهمونه ويعلمون ما في مفرداته وتراكيبه.
منذ صدر الإسلام، أصبح تعلم العربية تقليدا أساسيا لمن اعتنق الدين الحنيف من غير العرب، بهدف التمكن من قراءة القرآن الكريم. ولما فتحت بلاد الشام والعراق، أنشأ الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عدة دواوين بها تسير بالعربية. وفي عهد الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان بذلت جهود هائلة لتعريب جميع الإدارات في الدولة، وتمكنت حكومة الخلافة من القضاء على الازدواجية اللغوية في المكاتبات الرسمية، ضمن إطار رقعتها الجغرافية. وحين فتح المغرب، سيرت أعمال الإدارة باللغة العربية، وذهب جماعة من الفقهاء في أيام الخليفة عمر بن عبدالعزيز لينشروا بين المغاربة الإسلام والعربية.
هكذا أصبحت العربية هوية، وثقافة تميز الناطقين بها، وليتحقق من خلالها عرى لا تنفصم بين الإسلام والعرب. وليصبح تعلمها لغير المسلمين من ضرورات الدين. فهذا عبدالله بن يس يأخذ لنفسه رباطا في أقصى حدود البلاد الإسلامية، في الغرب، يعلم فيه الناس اللغة العربية والإسلام كي يدفع بهم إلى النهوض لقيام الدولة المرابطية. وكل الدول الإسلامية التي قامت في الهند وأفريقيا كانت لغتها الرسمية هي العربية، على الرغم من أن العنصر العربي كانت نسبته ضئيلة جدا. وكانت العربية هي الجنسية الوحدانية لمعظم العلماء الذين أبدعوا في الحضارة العربية الإسلامية، بغض النظر عن أصولهم العرقية.
وقد أجمع كثير من علماء المسلمين على التلازم بين الإسلام والعربية، لكن بعضهم أقر بوجود نوعين من العلاقة بينهما، أحدهما ديني والآخر قومي. فالشيخ عبد الحميد بن باديس، ميز بين رابطة الدين وطبيعة الرابطة الوطنية. فأشار إلى أن الأولى تربط بين عامة الناس، أما الثانية فهي رابطة دولة.
وعلى الرغم بين فصل بن باديس بين رابطتي الدين والعربية، فإنه انطلق من موقف حضاري، رافضا أن يكون العرق عاملا أساسيا في تحديد الانتساب للعروبة، مشيرا إلى أنه تكاد لا تخلص أية أمة من الأمم لعرق واحد، وتكاد لا توجد أمة من الأمم لا تتكلم بلسان واحد. وهذا اللسان هو الذي يكون الأمة ويربط أجزاءها ويوحد شعورها وتوجهها إلى غاياتها. وقبل أكثر من ألف عام ذكر أبو عثمان الجاحظ أن الموالي الذين تعربوا هم بالعرب أشبه، وإليهم أقرب، وبهم أمس، لأن السنة جعلتهم منهم.
في عصر الأنوار الأوروبي، وبروز الأمم الأوروبية على أسس قومية، اعتبرت اللغة العنصر الرئيس الذي استند عليه تشكل الأمم الحديثة. وأصر المفكرون الأوروبيون على اعتبار عوامل الجغرافيا والتاريخ والثقافة عناصر ملحقة تحيل على الناطقين باللغات الحديثة التي شكلت أمم أوروبا، وليست عناصر مستقلة عنها.
في احتلال فرنسا للجزائر، عمل الفرنسيون على طمس الهوية الوطنية للشعب المحتل، من خلال التعرض لعنصري مقاومته، الدين واللغة. لقد أدرك الفرنسيون استحالة ترويض الشعب الجزائري وإخضاعه لتكون الجزائر جزءا من العمق الإستراتيجي الفرنسي، ما لم يتخل الشعب عن هويته الوطنية، وهكذا عملوا على محاربة الدين الإسلامي واللغة العربية في آن معا. وكان للدين الحنيف الدور الأساس في حماية اللغة العربية من الانقراض. وبقوة عمق حضورهما معا في قلوب وعقول الجزائريين تمكن هذا الشعب من إشعال ثورته وإلحاق الهزيمة بالفرنسيين.
ما يحرض على طرح هذه المقدمة الطويلة، التي استغرقت الجزء الأكبر من هذا الحديث، هو الوضع المأساوي الذي تعيشه لغتنا الجميلة. فبالكاد لا نجد إلا نسبة ضئيلة من المثقفين تتقن اللغة العربية قولا وكتابة. وقد بلغت عدوى التخريب لهذه اللغة القنوات التلفزيونية، حيث يجري استخدام اللهجات المحلية في كثير من القنوات العربية، بدلا من الفصحى.
أما الذين يلقون خطاباتهم بالفصحى فأخطاؤهم لا تحصى. فهذا مرشح للرئاسة يتعمد رفع المجرور من باب التفخيم ونصب الفاعل، من باب التواضع. هذا عدا تعمد كثير من المثقفين الخلط بين اللغة العربية واللغات الأجنبية اعتمادا على الموروث الاستعماري. فالمناطق التي استعمرها الفرنسيون يخلط مثقفوها بين الفرنسية والعربية. وحيث استعمر الإنجليز تجد المثقفين يتعمدون إظهار مهاراتهم في الخلط بين اللغتين العربية والإنجليزية. وفي بعض المناطق تتداخل الفرنسية والإنجليزية والعربية جميعا، في خليط ناشز، ولكنه محبب للأسف لكثير من مثقفينا.
وتبلغ الصورة الكاريكاتيرية المزرية قمتها، عند بعض خطباء المساجد، ومن ضمنها خطب الجمعة، حيث يصل الأمر، في بيوت الله حد الخلط المتعمد بين العامية والفصحى، أما الأخطاء اللغوية فحدث ولا حرج. أو لم يحن الوقت بعد لتقييم ما جرى، ومعرفة أسبابه لنعيد الاعتبار مجددا لهذه اللغة وليعود للعربية، ألقها وبهاؤها، ولتصبح هويتنا الجامعة.