رصيد هذا الوطن ليس في ما يكتنزه من ثروة بترولية، على أهمية البترول، وإنما الرصيد الأول والأهم في ميزانية هذه الدولة هو في رجالها من الحكام الذين يتابعون سيرة والدهم الموحد
حتى لما كان سلمان بن عبدالعزيز أميرا للرياض فإن شخصيته الفضفاضة هي التي جعلته أكثر وأكبر من كونه أميرا للرياض على نحو وسع قاعدة معارفه ومد في شهرته حتى تجاوزت حدود الوطن، وليس هذا بغريب على رجل يعد منذ وفاة والده المؤسس إحدى ركائز الدولة السعودية الثالثة، ولهذا تولى القيام بالعديد من الأدوار السياسية باعتبار معايشته للكثير من الأحداث التاريخية التي عصفت بالمنطقة والعالم.
وقد شرفت بمرافقته قبل سنوات خلال زيارة رسمية قام بها إلى النمسا والتقى خلالها بالرئيس كورت فالدهايم والمستشار برونو كرايسكي، وقد تيسر لي في تلك الرحلة متابعة الأمير عن قرب والإحاطة بأسلوبه في العمل مع موظفيه ومرافقيه وتلطفه بالسؤال عن كل فرد منهم، كما لمست المهابة والمكانة التي حظي بها خلال لقائه بالرئيس النمساوي، وكذلك المستشار كرايسكي، وقد تجلى أمامي هذا التقدير أيضاً في رحلة أخرى إلى باريس، حيث قام عمدة باريس آنذاك جاك شيراك، بتكريم الأمير سلمان في حفل كبير في حديقة بولوينا، وقد شهد الحفل التكريمي جمع من رجال السلك الدبلوماسي والسفراء المعتمدين في فرنسا في ذلك الحين، ولم يكن ليتأتى هذا التقدير لولا حضوره المؤثر وعلاقاته النوعية مع الزعامات والحكومات المختلفة بشكل انعكس أثره الإيجابي على المملكة، كما أن قيمة ووزن الأمير سلمان قد انعكسا شخصيا في نجاح معارض المملكة بين الأمس واليوم والتي انعقدت وطافت بعدد من المدن الأوروبية والأميركية، وزارها لفيف من كبار الشخصيات المسؤولة في أماكن انعقادها، إضافة إلى حشود الزائرين الذين أتيحت لهم معرفة المملكة عن كثب، والأمير سلمان هو مستشار ملوك هذه البلاد ابتداء بالملك سعود ثم الملك فيصل فالملك خالد ومن بعده الملك فهد، يرحمهم الله، وحتى الآن مع أخيه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز ـ يحفظه الله، فهو قريب من الجميع، وهو إلى ذلك كله يتولى شؤون الأسرة المالكة الذين ينظرون إليه باعتباره أمين العائلة وحكيمها عند أي معضلة، حيث يتم الرجوع إليه لحلها بحنكته وحكمته المشهودة.
والأمير سلمان - كما هو معروف - أبو الجمعيات الخيرية التي تتولى شؤون رعاية الأيتام والأرامل والمساكين، وهو القيّم على لجان تبرعات الخير للأشقاء العرب والمسلمين الذين تصيبهم جائحة أو مصيبة، والأمير سلمان رائد الأعمال الخيرية والإنسانية ورعاية حقوق المعاقين، مثلما هو رئيس للجنة أصدقاء المرضى ورئيس لمشروع ابن باز لمساعدة الشباب على الزواج، وكذلك هي مشاريعه للإسكان الخيري ورعاية مرض الفشل الكلوي وغيرها مما يطول سرده من الأعمال الخيرية التي يرعاها ويدعمها.
وسلمان بن عبدالعزيز هو عاشق الرياض التي حظيت بكونه أميرها الذي تولى تحويلها من مدينة ضامرة إلى عاصمة مكتنزة غامرة، ومن كونها مدينة في الظل إلى مدينة تفوز بالتقدير وبالجوائز العالمية على مشاريعها النوعية وتحولاتها الفارقة.. كيف لا وهو الذي غمرها بالمتنزهات اللافتة، كما هو الحال في متنزه سلام أو في مشاريع هيئة تطوير الرياض في وادي حنيفة وغيرها.. والرياض هي حاضنة مكتبة الملك فهد بموجوداتها ومراجعها التي تضعها على قدم المساواة مع مكتبات مرجعية عالمية، والحال ينطبق على دارة الملك عبدالعزيز العامرة بالوثائق النادرة المخطوطة والصوتية لتاريخ الجزيرة العربية، ليس هذا فحسب، فالأمير سلمان هو الذي أحب الصحافة والصحفيين وله علاقات شخصية بالعديد من رؤساء تحرير الصحف العربية وكتابها ومثقفيها ومفكريها، وهو الذي جعل للصحافة في الرياض حيا يجمع شتاتها وهو ما يعرف بحي الصحافة الذي منح فيه المؤسسات الصحفية المحلية الأراضي الواسعة، فأقيمت عليها المباني والمطابع الحديثة لهذه الصحف، وفيها إلى جانب ذلك مبنى هيئة الصحفيين.
الخلاصة هي أن المقالة الصحفية أعجز من أن تحيط برجل وقامة، وتجربة ثرية وتنوع فريد في الأدوار والمهام التي أحاط بها الأمير سلمان بن عبدالعزيز منذ ستة عقود وحتى الآن.
فقط أردت أن أقول إن ثروة هذا الوطن ليست في ما يكتنزه من ثروة بترولية على أهمية الثروة، وإنما الرصيد الأول والأهم في ميزانية هذه الدولة هو في رجالها من الحكام الذين يتابعون سيرة والدهم الموحد الذي ينام في مثواه قرير العين على وطن يستمد النجاح والتقدم من تعاضد وتناغم القيادة مع هذا الشعب الوفي المخلص.