تغييب الرؤية الإستراتيجية الفاحصة سوف يفضي باليمن إلى مسارات غامضة، إذ تجمع الآراء على وجود مواجهات سياسية تحتشد وراءها كل الاختلالات المروعة في ثنايا الواقع الراهن

ماذا تعني كلمة الإستراتيجية كمصطلح رائج يتداوله العرب في منتدياتهم وتؤكده خطاباتهم ولا تكاد تخلو منه مطبوعة أو كتاب..؟ وهل يدل قرارنا العربي الإقليمي أو القطري.. السياسي أو التربوي، الاقتصادي أو الاجتماعي على وعي معنى الإستراتيجية، أم إن الأمور تجري على عواهنها والسّفِنُ تمضي بما تشتهي هبات الرياح..؟
ولماذا نحن فقط بين شعوب وحكومات الأرض منقادون لمجريات اللحظة ودواعي التوجه الآني..؟ وهل نظام العمل باليومية هو سبب مشكلاتنا العميقة وجوهر أزماتنا المتواترة؟ أم إن عوامل اُخرى يمكن اعتبارها سببا لما مر بنا من تخلف وما نحن فيه من وهن وما ينتظرنا من تحديات؟
إننا نحسن سلق الخيارات الآنية ويستهوينا مضغ الواجبات النية، ولا وقت لدينا لانتظارها ريثما تنضج. وعندما تكون رؤيتنا الاستشرافية المستقبلية في ذروة التأني فإن أقصى سقف نخطط له لا يتعدى مداه بضعة أعوام.
إن نظرة فاحصة إلى أوضاع دولنا العربية - سيما منها بلدان الربيع - تجعل المرء شديد الحيرة إزاء الكثير من الطروحات والقرارات المتخذة تحت ضغط ردود الفعل وحسابات اللحظة الآنية وفصلها عن سياقها التاريخي والزمني السابق، وعزلها عن مرمى الأهداف المستقبلية المرتجاة، وبهذا تظل أمتنا في منطقة عازلة ومعزولة، فلا هي حافظت على تراثها القديم والوسيط، ولا هي استلهمت من تحديات العصر درسا للإفاقة والانطلاق.. على أن الحجر على تطلعات الجماهير العربية والإسلامية لم يمنع أنظمتها من بناء حلبات صراع عبثي يجمع بين أسوأ ما في الماضي وأرذل ما تنطوي عليه سياسات الحاضر وسابقات المستقبل! لكني إنما أسأل: أليس هذا ما يطبع حيواتنا بالرتابة والجمود ويُضفي على ممارساتنا ظلالاً من السأم بوصفها مجرد رغائب متعجلة دأبت على قطف الثمار قبل حلول مواسم الاجتناء؟ والحق أن هذه الرغائب المتسرعة لم تكن لتغدو مزيجا من توافق مركب يستقطب أطراف الصراع السياسي والاجتماعي في بلداننا، وفي معيتها إرث عريض من الفشل ومتاحف ضخمة من النياشين المرصعة بالهزائم!
إن غياب الرؤى الإستراتيجية عن مراكز صناعة القرار وانعدامها في مجرى الثقافة العامة لمجتمعاتنا يعكسان أبرز أسباب الاضطراب الذي نشكو أمراضه.. وإذا جاز لي التعاطي مع وضع اليمن كنموذج مكتمل الدلالة على سلبية التعامل مع مختلف القضايا المصيرية بمنطق اللحظة الآنية فإن مرد هذا الاختيار يرجع لعوامل شراكة يتداخل فيها المحلي بالعربي بالدولي، في منظومة عمل استهدفت إنجاز معالجات إسعافية صادقة لكنها وضعت ضماداتها على الجراح قبل تطهيرها واعتنت بتطبيب الرضوض وغفلت عن الكسور.
الأسبوع الماضي دعا الحزب الاشتراكي اليمني إلى اليقظة في مواجهة مخاطر قال إنها لا تزال تتربص بالبلد جراء تمسك بقايا النظام العائلي بأحلام العودة إلى الاستئثار بكامل السلطة. وشدد الحزب على ضرورة التخلي عن النظرة القاصرة لدى البعض ممن نظروا إلى الثورة على أنها مجرد كسر عظم للخصم يمكن جبره في مفاصل معينة من تحت الطاولة أو من فوقها. هكذا تحدث زرادشت، أو بالأحرى هكذا تستيقظ الرؤية الإستراتيجية ولو في وقت متأخر.
لسنا بصدد البحث عن إبرة سقطت في كومة قش، لا ولكننا نرصد معجزة ولوج الجمل في سم الخياط، وكذلك نتراءى وضع اليمن اليوم وبعد نحو عام ونصف تقريبا في ظل الاعتماد على معالجات آنية مجردة من البعد الإستراتيجي المدروس، وعادة ما قاد هذا النمط من الوصفات السياسية إلى مضاعفات غير محسوبة وأدى إلى مشكلات تفوق سابقاتها.
لقد كان واضحا منذ البداية أن قنبلة (سياسية واقتصادية وأمنية) زرعت في طريق التسوية وفي حال انفجارها تغدو مهمة الرئيس اليمني الجديد صعبة وشائكة ويومئذ دعونا عبر صحيفة الوطن أشقاء اليمن وأصدقاءه للمساعدة في نزع الفتيل، وضمان مناخات تساعد الرئيس هادي على وضع المبادرة الخليجية موضع التطبيق، وفي سبيل ذلك تستدعي الحاجة نزوح رموز الصراع السياسي العسكري إلى الخارج، وإن على نفقة الشعب اليمني؛ ريثما تتهيأ الظروف المواتية، وتكون البلاد استعادت عافيتها، ومبادرة الأشقاء وجهود الأصدقاء بلغت غايتها في وضع اليمن المنكوب على مشارف اليمن الجديد.
هل صحيح أننا أمة لا تقرأ، وإذا قرأت فإنها تنسى، ومتى حفظت شيئا فهي لا تنتفع منه؟ إنها مقولة صحيحة قالها عدو متربص تعريضا بشعوبنا العربية ونظمها السياسية، وكل منهما لا تستفزه شماتة الأعداء ولا تسره نصائح المجتهدين.
ولا شك أن تغييب الرؤية الإستراتيجية الفاحصة جذر المعضلات، وسوف يفضي باليمن إلى مسارات غامضة، إذ تُجمع الآراء على وجود مواجهات سياسية تحتشد وراءها كل الاختلالات المروعة في ثنايا الواقع الراهن بأسئلته الشائكة ومساراته الملتبسة.
وعلى سبيل المثال: هل كانت القاعدة بمسمياتها المتفرعة لتأخذ طبيعة وعتاد الجيوش النظامية لولا محركات الصراع السياسي؟ وهل كانت أنابيب النفط وشبكة الكهرباء لتتعرض لمسلسل التفجيرات اليومية لولا ارتباطها بنزاع من صراع سياسي؟ وهل كانت عملية خطف الدبلوماسي السعودي ستطول وتتشعب وتتحول إلى عملية ابتزاز وإحراج لقيادتي البلدين لولا الباعث السياسي الذي يرسم سيناريوهات الإحراج؟ وكيف للإرهابيين أن يواصلوا عملية الخطف وهم يواجهون حربا ضروسا تضطرهم الفرار من جبل لآخر..؟ لكأن الدبلوماسي المخطوف بندقية كلاشنكوف يعلقها أحد عناصر القاعدة على كتفيه! الأرجح أن تصريحات الضحية تنقل من إحدى ضواحي صنعاء، خاصة أن الصورة التي بدا عليها في آخر مناشدة له لا يشبوها وعثاء سفر أو عناء ترحال ولا حتى ملامح إجهاد كالذي يحيط أحوال القاعدة في مختلف مواطنهم! لكن.. هل كان كل هذا القدر من الخراب المنظم ليحدث لو أن جزيرة أو فندقا متوسطا فتح أبوابه لمئتي شخصية يمنية أدمنت الصراع ودخلت مرحلة الثأر؛ وتستدعي مصلحة اليمن وأشقائه وأصدقائه منح هولاء القادة إجازة مؤقتة لا يعكرها رنين الهواتف ولا مضخات تمويل الدمار؟
إن حديثنا عن منطق الإستراتيجية لا يعني تجاهل التدابير الآنية، ولهذا يبتدرنا سؤال لحظي: كيف للرئيس عبد ربه منصور هادي أن يرمم جدارا أو يزرع بذرة بناء الدولة في أتون سباقات الهدم؟ وهل كان من المنطق تحديد سقف ولايته بعامين وقوى الصراع تتخطف قراراته وتعيق خطاه وتعمل معاولها في وجهه كلما حاول أمرا أو داهم وكرا من الأوكارالمعنية بالإجهاز على مستقبل اليمنيين؟
تترى الأسئلة بعمقها الإستراتيجي ومقدماتها الهازلة لكنها لا تجدي نفعا في ظل غلبة مومياء التوافق على المقررات الآنية المستعجلة قطف الثمار قبل نضجها.