العقار لدينا ليس مكانا مخصصا لإقامة مبان عليه، الناس يمتلكون العقار ليكون مستودعا للثروة فيتاجرون به ويرهنونه، ولذا لا يخدم الإسكان، وهذه مشكلة كبيرة أدت إلى إبقاء مساحات شاسعة داخل المدن للمتاجرة، فلا تستخدم لسنوات طويلة

الواقع الماثل أمامنا هو أنه ليست لدينا أزمة إسكان.. بمعنى أن جميع أفراد المجتمع يسكنون في مساكن مقبولة تتوافر فيها الخدمات بمستويات مختلفة. وعندما أقول هذا الكلام فإنني أعني أن المجتمع أو بعض أفراده لا يسكنون بيوتا من صفيح تنعدم فيها اشتراطات الإسكان الآدمي... إذن، الأزمة ليست أزمة إسكان..
الإحصاءات تفيدنا عن نسبة كبيرة من المواطنين لا يمتلكون مساكن.. ولم تقل إنهم لا يجدون مساكن، فيما يعني أن الأزمة هي أزمة تملك وليست أزمة إسكان، وهناك فارق كبير.. وقد سعت بلادنا في السبعينات الميلادية عن طريق صندوق التنمية العقاري لعلاج هذه المشكلة ونجحت آنذاك بشكل كبير بسبب قلة عدد السكان.. وثانيا أن المبلغ المخصص للقرض العقاري مناسب (آنذاك).. الثالث المرونة في الحصول على الأرض (إلى حد ما) عن طريق المنح والشراء. وبقي الحال كما هو بالرغم من تصاعد أزمة تملك البيوت إلى أن تفاقمت وأصبح نظام صندوق التنمية العقاري منتهي الصلاحية.. حاولت الدولة إضافة تحسينات عليه وفي نفس الوقت دراسة أنظمة جديدة (نظام الرهن العقاري).. وطال انتظار صدور هذا النظام لأهميته، لأن نظام صندوق التنمية العقاري لم يعد صالحا بسبب زيادة عدد طالبي تملك الإسكان، وبسبب طول المدة التي ينتظرها طالبو الاقتراض من الصندوق، وبسبب عدم كفاية مبلغ القرض، والسبب الرابع صعوبة الحصول على الأرض عن طريق الشراء لارتفاع أسعارها بشكل مخيف وتوقف نظام المنح.. والسؤال المطروح هو: إلى أي مدى سينجح نظام الرهن العقاري في تحقيق أهداف الدولة.. تمكين المواطنين من تملك البيوت؟
هناك مشكلات تواجه نظام الرهن العقاري، منها:
1- ارتفاع أسعار الأراضي وعدم وجود مساحات داخل النطاق العمراني تملكها الدولة.
2- حجم العائلة الذي بدأ يصغر ويتطلب مزيدا من المساكن.
3- دخل الفرد.
4- التضخم.
5- هرمية المجتمع: بمعنى الزيادة المضطردة في عدد السكان كلما تقدم بنا الزمن.
6- عدم رغبتنا في تغير نمط حياتنا بقبول الواقع رغم تغير نمط العصر..
فالبنسبة لارتفاع أسعار الأرضي لابد من وجود علاج سريع من الدولة لا يسمح أن يكون العقار مستودعا للثروة.. العقار لدينا ليس مكانا مخصصا لإقامة مبان عليه، الناس يتملكون العقار كمستودع للثروة ويحتفظون به ويتاجرون به ويرهنونه.. إذا العقار المملوك لا يخدم الإسكان لهذا السبب.. وهذه مشكلة كبيرة أدت إلى إبقاء مساحات شاسعة داخل المدن وأيضا داخل القطاع العمراني للمتاجرة ولا تستخدم ولسنوات طويلة.. وقد تنبهت الدولة لهذا الأمر، وهي تحاول فرض نوع من العقوبات أعطتها مسميات مختلفة في محاولة لإدخال هذه المساحات إلى سوق العقار الحقيقي الذي يخصص للاستخدام الفوري، لكن يبدو أن هناك تباطؤا، لأنها تحقق لمالكيها دخولاً عالية.. وبقيت أسعار الأراضي كما هي.. بل في تزايد ..
وأما بالنسبة للسبب الثاني المتعلق بحجم العائلة.. فكنا في السابق نتمتع بحجم عائلة كبير في منزل واحد: الأب والأبناء وزوجاتهم وأبناؤهم. تغير الحال، فبمجرد أن يتزوج الابن يخرج من منزل العائلة إلى مسكن خاص به.. وهذا العامل أدى إلى تزايد الطلب على المساكن، ويمكن ربط هذا العامل بعامل تغير العصر وعدم رغبتنا أو قل عدم قدرتنا على التغير.. فالعائلة السعودية لا تقبل العيش في مسكن مساحته 150-200م2 أو تزيد قليلاً.. فنحن نصر على وجود مساحات متعددة لأغراض متعددة.. حتى لو لم نستخدم تلك المساحات إلا مرات قليلة طوال السنة.. كما أن لدينا ثقافة سكن العمر الذي يجب أن تكون له مواصفات ومساحات محددة رسمناها في مخيلتنا.. ولا تنازلات.. هذه مشكلة في مجتمعنا.. والعامل الثالث: التضخم.. فارتفاع تكلفة مواد البناء واستمرار ارتفاعها يضع عبئا كبيرا على نظام الرهن العقاري.. فلا أدري كيف يمكن أن يكون تملك موظف دخله ستة آلاف ريال مسكنا إذا عرفنا أنه لا يمكن أن نأخذ أكثر من ثلث راتبه، أي ألفي ريال في 12 شهرا = 24X 20 سنة = 480.000 ريال، نصفها يذهب فائدة لشركة الرهن العقاري المقرضة إذا افترضنا الفائدة 5% لمدة عشرين سنة = 240.000.. إذن، يملك المقترض الذي راتبه ستة آلاف مسكنا فقط بمبلغ 240.000 ألف ريال. هل يوجد مسكن بهذا السعر تقبل به العائلة السعودية؟ لا أظن.. وقس على ذلك. وكلما ارتفع الدخل ارتفع معيار السكن الذي يريده المواطن وارتفع مبلغ الإقراض، لكن بنسبة لا يقبل المواطن السكن الذي يأتي به ذلك المبلغ.. هذه مشكلة كبيرة جدا ستواجه الرهن العقاري.. ولحل هذه المشكلة لا بد من التعرف على الفئة التي يجب أن تمتلك مسكنا ضمن نظام الرهن العقاري، بحيث تُحدد الفئات التي لا يُمكنُّها دخلها من تملك مسكن وتستبعد الفئات التي لديها ملاءة مالية لتملك مسكن عن طريق دخلها..لأن هذه الفئات تزاحم أصحاب الحاجة.. وربما حصلت على امتيازات الرهن العقاري لبناء مساكن للاستثمار.. وبهذا يضاف مبلغ هذه الفئات لزيادة مبالغ الفئات غير القادرة.. فليس من العدل أن يساوى قليلو الدخل مع الذين دخلهم عال ويزاحمونهم وهم في غير حاجة.
والعامل الرابع هرمية المجتمع.. أي زيادة السكان بشكل هرمي.. هذه الزيادة تشكل عبئا على هذا النظام.. وتتطلب ضخ أموال كبيرة في صناديق شركات الرهن العقاري.. ولابد أن يؤخذ هذا العامل في الحسبان حتى نتجنب المشاكل التي عانى منها نظام صندوق التنمية العقاري، وهي الانتظار مدة طويلة للحصول على القرض وهو الأمر الذي يترتب عليه زيادة الأسعار في الأراضي والمواد..
الخامس: كيف يعامل نظام الرهن العقاري الموظفين الذين سيتقاعدون قبل الفترة المحددة للتسديد ( 20 أو 25 سنة )؟ هل يتم حرمانهم من الاستفادة من هذا النظام أم يتم انطباقه عليهم حتى إذا ما تقاعدوا يتم إخراج عائلاتهم من المسكن وبيعه واستيفاء القرض.. كما تفعل البنوك حاليا؟.. أخشى أن نكون قد استخدمنا نظاما نجح في بيئة مختلفة ناسين أو متناسين أنه لا يمكن أخذ أي نظام من مكان وتطبيقه بحذافيره في مكان آخر..