وائل القاسم

الإنسان الذي يفكّر كثيرًا بلا حدود، ويتأمل طويلاً بلا قيود، ويربط ويحلّل باستمرار، ويمتلك من الذكاء وخصائص التفكير الفلسفي ما يجعله يستمر في الإبحار بسفينة عقله في بحار التفكير وأمواجها المتلاطمة، قد يجد متعة عقلية كبيرة؛ ولكنّه قد يعاني ويقلق قلقاً يحرمه -أحياناً- من الراحة النفسية، والسلام الداخلي، والنوم المستقر الكافي.

لقد أخبرنا أرسطو أنّ جميع البشر بطبعهم يرغبون في المعرفة؛ لكني لا أدري هل حدّثنا عن الثمن الذي سيدفعه الذين تتجاوز رغبتهم حدود الممكن والمعقول والمتاح؟!، لتصبح هوسًا لا يتوقف عند أيّة خطوط حمراء أو غير حمراء!. في الفلسفة، يُعتبر «التلذّذ العقليّ» من أرقى صور الابتهاج الإنساني؛ وهو تلك النشوة التي يشعر بها المفكّر حين يفكّك مسألة، أو يحلّ مشكلة، أو يجمع بين نقيضين، أو يَلمَحُ خيطاً نورانياً من الحقيقة وسط ظلام الوهم.

ولا شك أنّ رحلة «الإبصار الواسع» في ظلمة الجهل الضيقة ممتعة، ولكنّها ليست لعباً ولا ترفيهًا آمناً؛ فالفيلسوف قد يجد نفسه أمام مفارقة مؤلمة؛ فكلّما اتسعتْ مساحة معرفته وإدراكه، اتسعتْ معها مساحة عذابات مبالغة عقله في اقتحام دهاليز «المجهول».

هنا قد يتحوّل الذكاء إلى شقاء، ويصبح التأمل الزائد لعنة لعقل المفكّر الذي يتجاوز حدود المعرفة الإنسانية، التي رسمها -بشيء من النجاح في رأيي- مؤلفُ الكتاب العظيم «نقد العقل المحض»، فكانط يرى أنه ليس من اختصاص الإنسان الإجابة عن جميع أو غالب الأسئلة الميتافيزيقية الكبيرة المؤرّقة؛ لأنّ العقل غير قادر على حسم الجدل في مسائل كثيرة، وخاصة الغيبية؛ التي قد ينزلق في منحدراتها التي لا قرار لها، مما يولد «القلق الوجودي».

وأجد المتنبي يطلُّ برأسه عليّ هنا إطلالة أراها مؤيدة لبعض ما سبق:

«ذو العقل يشقى في النعيم بعقله.. وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم».

فالراحة والاستقرار، والهدوء والسلام النفسيان، مطالب ثمينة، رغم أنها -أحياناً- ناتجة عن يقينٍ ساذج؛ بينما تؤدي الفلسفة في إحدى وظائفها –في نظري- إلى هدم بعض أو كلّ صروح ذلك اليقين، لصالح البحث عن الحقيقة.

وإذا جمعنا بين قول الفيلسوف الفرنسي «باسكال»: «إنّ نهاية المعرفة هي إدراك أننا في بحر لا يحدّه شاطئ»، وتأكيد «كانط» على أنّ للعقل البشري حدودًا لا يمكنه تجاوزها دون أنْ يضل الطريق، قد نصل بهذا الجمع إلى أنّ محاولة العقل الإجابة عن أسئلة تفوق قدرته، قد تؤدي إلى تعب وقلق ومغالطات منهكة.

ومن وجهة نظري الحاليّة –التي قد تستمر وقد لا تستمر- أرى أنّ نجاح الفيلسوف لا يكون دائمًا بمواصلة التفكّر الحادّ والجادّ والزائد، وإنما قد يكون في امتلاك «القدرة على التوقف» أحياناً إذا استلزم الأمر، وردع العقل عن تجاوز الخط الذي تنتهي عنده حدود الراحة، لإعطاء الجسد -الذي أرهقه وأحرقه التفكير- حقه في السكينة والسلام.

إنّ التعبَ العظيمَ الذي يصيب المفكّر، النابع من محاولة عقله -محدود القدرات- استيعاب ما لا يستطيع استيعابه، هو تعبٌ قد يكون ضرره أكبر من فائدته، فلا بدّ للمفكّر أنْ يمنح عقله إجازة بين فينة وأخرى، وأنْ يعطي جسده أيضاً الحق في النوم والراحة بسلام دون قلق، فالاستمتاع بمباهج الحياة، قد تكدّر صفوه المبالغة في الرغبة في معرفة كلّ شيء، والتعمّق في كلّ شيء، وفهم كلّ شيء.

وأجد المتنبي يطلُّ برأسه عليّ هنا مرة ثانية، مرددًا:

وإِذا كانت النفوس كبارًا ** تعبت في مرادها الأجسام.

فأقول يا عزيزي المتنبي: أنا أحبُّ بيتك هذا، ولذلك أجدني في حيرة: أيهما أنفع وأفضل: استمرار صاحب النفس الكبيرة –أو العقل الكبير باعتبار النفس مرادفة للعقل عند البعض- في ملاحقة متعة «النشوة المعرفية» التي تزيد مع زيادة التفكير وتصاعد مستوياته وترابط نتائجه، أم تفضيل الراحة النفسية والسلام الداخلي؟.

الذي وصلته –وقد لا أستمر عليه- هو ضرورة التوازن بين الأمرين رغم صعوبة ذلك، وهو الهدف من هذه المقالة، التي يمكن أن أختمها بقولي:

يا صديقي المفكّر:

اجعلْ لعقلك وقتاً للإبحار، ووقتاً للتوقف، فالدهشة الهادئة التي تأتي بعد راحة نفسية ونوم عميق، قد تولد بعدها أفكارٌ أعظم من الأفكار التي تولد بين ركام الأرق والقلق، فلا تحرم سفينة عقلك من الاستراحة؛ لأنّ السفن التي لا ترسو أبداً قد يتلفها الصدأ قبل أنْ تصل إلى ما تريد.